ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
321
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وهنا لسان آخر وذوق غير ذلك الذوق من أذواقه رضي اللّه عنه ، قال تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذاريات : 55 ] . فاعلم أن اللّه تعالى غنيّ عن العالمين بالعالمين كما يقال في صاحب المال : إن اللّه غني عن المال بالمال ، فهو الموجب له الغنى . وهي مسألة دقيقة لطيفة الكشف فإن الشيء لا يفتقر إلى نفسه فهو الغني عن نفسه بنفسه . قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] الذي يرجع إليه عواقب الثناء ، وما يثني الأبناء من وجودنا ، وأمّا تنزيهه عما يجوز علينا ، فما وقع إلينا عليه تعالى إلا بنا ، فهو غنيّ عنّا فلا بد منّا بثبوت هذا الغنى له بقاء ، ومن أراد أن يقرّب عليه تصور هذه المسألة فلينظر إلى ما سمّي به نفسه سبحانه من كل اسم يطلبنا فلا بد منّا . فلهذا لم يمكن الغنى إلا بنا إذا حكم الألوهية بالمالوه ، وحكم الربوبيّة بالمربوب والمريد بالمراد ، والقادر بالمقدور ، والقول بالمقول وهكذا الأمر . ( فبهذا ) : أي بهذا الغنى الذاتي ، وعدم الاحتياج بالوجود ؛ لأن الوجود عينه والشيء لا يكون مفتقر إلى نفسه ، فإنه غني عن نفسه بنفسه ، فلو كان فقيرا يلزم أن يكون الشيء الواحد من حيث ما هو غني وهو محال ، وإن كان الاسم الإلهي المغني ، هو معطي الغنى للعبد ، فهو الغني باللّه عنه . أخبر تعالى أنّه : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] والعالم شؤونه ، وهو متحول فيه وبه ، وأخبر أنه يوم القيامة يوم عموم الكشف والعيان . قال تعالى : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] فالكل يحمد اللّه مستغني به عنه كالحق أنّه الغني عن العالمين ، ولكنّ العلم باللّه داهية دهماء وفتنة عمياء صماء فإنّه يعطي ، الزهو على عباد اللّه ، ويورث الجهل بالعالم وبنفسه ، كما قال صاحب جنيد قدّس سرّه حين عطس ، وقال : الحمد للّه ، فقال له حينئذ : أكمل بقول رب العالمين .