ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

307

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

( إنه لما كان الأمر على ما قلنا من ظهوره بصورته ) أما ترى الحق تعالى ما تسمّى باسم ، ولا وصف نفسه بوصف إلا والخلق يتّصف بهما بحسب ما تعطيه حقيقة الموصوف . وإنما تقدّمت في الحق بالوجود ، وتأخّرت في الخلق لتأخره فيه ، فيقال في الحق : إنه ذات توصف بأنه حي عالم قادر ، ويقال في العالم : إنه حي عالم قادر بلا خلاف من أحد ، والعلم والحياة والقدرة على حقيقة في العقل . ( أحالنا اللّه تعالى في العلم به على النظر في الحادث ) آخر علمنا به عن علمنا بالحوادث ؛ لنعلم أن علمنا بالحوادث أصل للعلم بالأصل ، فافهم . أما ترى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » فيه إشارة خفيّة إلى ذلك وهو لب المعارف الإلهيّة ، حيث جعل الأصل فرعا والفرع أصلا ، فافهم ولا يمكنني إظهاره أكثر من هذا . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه » « 2 » فجعلك دليلا عليه ، وجعل معرفتك بك دليلا على معرفتك به إمّا بطريق وصفك بما وصف به نفسه ، وإمّا بطريق الافتقار الذي أتت عليه في وجودك ، وإمّا بالأمرين لا بد من ذلك ، فافهم . قال رضي اللّه عنه في الباب الخامس والسبعين وثلاثمائة : وقد ذكرت هذه المسألة في محل آخر ، ولكن أذكرها هنا بضرورة داعية إليها ، وهي أن الأصل التقييد لا الإطلاق في محل ، فإن الوجود مقيّد بالضرورة ولذلك كل ما دخل في الوجود مثناة ، فالإطلاق الصحيح إنما يرجع لمن في قوته أن يتقيّد بكل صورة ، ولا يطرأ عليه ضرورة من ذلك التقييد ، وليس هذا إلا لمن تحقق بالمداراة . واللّه يقول : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، وهو أشرف الحالات لمن عرف ميزانها ، وهو واحد فرد ، وأين ذلك الواحد الفرد ؟ فافهم ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) تقدّم تخريجه بنحوه .