ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

302

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - وتجلي التقييد هو : كل ما أشعر بوجود العبد مع الربّ من سائر حضرات الأسماء الإلهية . فتجلي الإطلاق هو : تجليه تعالى في ذاته لذاته على الدوام ، وذلك لا يكون إلا في حضرة الاسم ( اللّه ) ، والاسم ( الأحد ) . وتجلي التقييد هو : تجليه تعالى لعباده في بقية الأسماء التي تطلبهم : كالربّ ، والخالق ، والرازق ، والرحمن ، والمعز ، والمذل ، والمنتقم ، وغيرها من سائر ما علمناه ، وما استأثر اللّه بعلمه ؛ فإن الربّ يطلب المربوب وجودا وتقديرا في العلم الإلهي ، ولا يعقل إلا معه ، وكذلك الخالق وما بعده . وأما حضرة الذات التي هي تجليه تعالى في الاسم اللّه أو الاسم الأحد فلا تطلب شيئا من العالم ، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : 6 ] . ولذلك كان لا يعقل لحضرتها أحكام ، ولا يصحّ أن يؤخذ عنها بشرائع ولا أحكام ؛ إذ ليس معها سواها . وتأمّل يا أخي لو يقع التجلي في رتبة التقييد وكان التجلي في رتبة الإطلاق كما كان قبل خلق الخلق المشار إليه ب « كان اللّه ولا شيء معه » من كان معه حتى يتلقى عنه شرائع ، ومن كان هناك يعمل بها أو لا يعمل من أهل القبضتين . وأنشدوا : قد كان ربّك موجودا ولا معه * شيء سواه ولا ماض ولا آت فلما خلق اللّه تعالى الخلق وتجلى في رتبة التقييد التي هي كناية على المرآة المنطبع فيها صور الموجودات أجمع وسمّى لنا نفسه بالأسماء الطالبة لأهل حضراتها . فلا بدّ لإثباتك المعرفة لمن يتلقى عنه الأحكام : من ملك ، أو بشر ، وإلا فتلقّي الأمر من لم يعرف بوجه من الوجوه محال ، ولا بدّ لك أيضا من إثبات من تحكم فيه حضرات الأسماء الإلهية : كالمعز ، والمنتقم ، والغفور ؛ فإن أثر هذه الأسماء في حق الحق محال . فقد بان لك أنه تعالى من حين أظهر الخلق ما تجلى لهم قطّ في رتبة الإطلاق ؛ لأن هذه الرتبة تنفي بذاتها وجود غيرها معها ، وما تجلى بعد إظهارهم إلا في رتبة التقييد . ومن لازم شهود أهل العقول أنفسهم معه التحييز والتحديد والحصر ؛ إذ المقيد لا يشهد إلا مقيدا ، وأما الإطلاق فإنما يعلم فقط بالإعلام الإلهي لا بالعقل . ولذلك قررنا غير ما مرة أن أعلى مشاهدة العبد أن يرى إطلاق الحق تعالى وتقييد الكون ، فهذا إذا حققية وحدته تقييدا ، فإن أصل التقييد وسببه إنما هو التمييز ، حتى لا تختلط الحقائق ، وقد صار الحق تعالى في قلب هذا الشاهد مقيدا بالإطلاق ؛ لأن الإطلاق بلا مقابل لا يعقل ، ولو كان التجلي في كل صورة في العالم . -