ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

280

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

الأمر شيء ، بل إذا ظهرت عليه أحوال ، وصدرت منه آثار وأفعال يقول : هي للّه تعالى الظاهر بأسمائه ، فما لنا والدعوى فنحن لا شيء في حال كوننا مظاهر له وفي غير هذا المحال ، فللعبد ترك الدعوى والتبرّي عنه أولى ، وإن كان ترك الدعوى من الدعوى ، ولكن التبرّي من الدعوى بالدعوى أليق وأحرى ، وهذا كله لتعلم شؤم الدعوى وراحة تركها . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : هذا المقام يسمّى راحة الأبد والقائم فيه مستريح وهذا الذي وفّى الربوبيّة حقها ؛ لأن الحكم للمرتبة لا للعين . فالزهو والدعوى من أين ؟ كالسلطان المتحكّم في المملكة إنما هي المرتبة لا عين ذلك الإنسان ، أما ترى حين عزل ما يؤوّل إليه حاله ، فالناصح نفسه لا ينخدع من نفسه ، ويرى أن الحكيم وضع خلافته في الأرض . وقال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ولم يقل : في الأرض والسماء مع أنه هكذا ، كما أنه في السماء إله ، وفي الأرض إله حتى لم يزل في مقام الذلّة والعبوديّة في نفسه ولا تحجبه مرتبة الخلافة بالصفات التي أمدّه بها عن رتبة عبوديته ، بل منهم من الأدباء الذين يجعلون بينهم وبين نعوت الحق تعالى عند التخلّق بأسمائه ما وصف به الملأ الأعلى من تلك الصفة ، فيأخذونها من حيث هي صفة لعبيد من عباد اللّه مطهّرين ، لا من حيث هي صفة للحق أدبا مع اللّه تعالى حتى لا يكونوا تخلّقوا بأخلاق اللّه تعالى ، فهم لا يرجعون من مقام العبوديّة ولا يجدون طعما للربوبيّة التي تستحقها هذه الأسماء . وهذا الذوق في العارفين عزيز وهو من شيم الأولياء الكرماء الأخفياء الأبرياء ، وهذا هو التأسّي بسيد الخلق مع سيادته يقول : « أنا عبد وأنا بشر مثلكم » « 1 » . وأيّ أسوة أعظم من هذا التأسّي لمن عقل عن اللّه تعالى ، رحم اللّه امرؤ عرف

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 156 ) ، ومسلم ( 1 / 401 ) .