ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
276
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
اختيارهم بهذا من الاتفاقات الحسنة ومن التعريف الإلهي ؛ لأن المسبّح أثبت على نفسه الحجاب ، ولا يكون المسبّح في حالة الشهود ؛ لأن الشهود فناء ، والعالم لا يفتر عن التسبيح طرفة عين ؛ لأن تسبيحه ذاتي كالنفس للمتنفس ، فدلّ أن العالم لا يزال محجوبا ، وطلبهم بذلك التسبيح هو المشاهدة « 1 » ، فخلق الإنسان على صورته وأعطاه دوام المشاهدة ، وعرف الملائكة بمرتبته السنيّة ، وأخبرهم : إن لهم بهذه الكرامة . أما ترى قول الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في « الفتوحات » أنه قال : كل العالم يسبّح غير الإنسان الكامل ؛ لأن التجلّي له دائم ، وحكم الشهود له لازم يا ليت شعري ! لو قالت : نسبّحك بحمدنا : أي بما نحن عليه كان يخلّصهم ؛ لأن كل أحد ما يسبّح إلا بحمده : أي بقدر علمه وكشفه . قال تعالى تنبيها لذلك : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] فافهم . ( وعند آدم الأسماء الإلهية ) من حيث التحقق والتخلّق ، لا من حيث التخلّق ، وبأنوار هذه الأسماء يظهر مسمياتها خلقا وخلقا مما يتعلق بالذات والصفات والأفعال في الإلهيات ومما يتعلّق بأجناس الممكنات وأشخاصها جملة تفصيلا ، وهذه الأنوار التي كانت لآدم خلقا حين علم جميع الأسماء ، وتحقق بها حيث علم كيفية التأثير في الوجود بالأسماء كانت له بالتعليم أو بالوضع الإلهي لا بالتعليم بالاصطلاح المعتاد ، وفي ذلك تكون الفضيلة والاختصاص ، فقد أحضر اللّه تعالى أعيان المسميات ، فقال تعالى : فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 31 ] .
--> ( 1 ) المشاهدة : تطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، فإن لكل شيء أحدية بها يمتاز عن غيره . وهي عين الدليل على أحدية الحق ، وتطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء . وذلك هو الوجه الذي له تعالى بحسب ظاهريته في كل شيء ، ولما كانت رؤية الحق في الأشياء من أحلى المشاهدات وأتمها ، فإنها تعطي حقيقة اليقين من غير شك . ولذلك قال قدّس سرّه : « وتطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك » . هذا إن لم تكن المشاهدة في حضرة المثال ، كالتجلي الإلهي في الأجل لأهل العقائد المقيدة ، حيث الإنكار حتى يتحول لهم في علامة يعرفونها فيقرون بها . والمتجلي في الحقيقة عين المنكور والمعروف ، فهم ما أقروا إلا بالعلامة ، لا به ، فافهم .