ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

270

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

( وما علمت أن للّه تعالى أسماء ما وصل علمها إليها ، وما سبّحته بها ، ولا قدّسته ) ، وهي الأسماء التشبيهيّة المؤثّرة في الكون ، فغلب عليها ما ذكرناه وهو عدم العلم والوقوف بالأسماء والمراتب والمواطن . ( وحكم عليها هذا الحال ) وهو الغلبة المذكورة ، فقالت من حيث النشأة : أي باقتضائها ؛ لأنها طبيعية تعطي التشاجر ، والتخاصم ، والتحالف . فقوله : النشأة يحتمل أن - يريد بها نشأة آدم : أي حين عرفت أن نشأته عليه السلام مركبة من الأضداد من الحقائق المختلفة ، والطبائع المتنافرة ، فحكمت بوقوع الفساد من ذلك ؛ لعلمها بالحقائق ، وكذا وقع الأمر . ولكن فاتهم أن الفساد قد يكون عين الصلاح ، والإفساد عين الإصلاح ، وكيف لا ؟ ! والفاعل ربّ حكيم عليم . وقد قال تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] والرب هو المصلح لغة ، فما وقفوا على مقصود الحق من خلق الخليقة ، ولو لم يكن الأمر كما وقع ؛ لتعطّلت من الحضرة الإلهية أسماء كثيرة لا يظهر لها حكم . قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم تذنبوا لجاء اللّه بقوم يذنبون فيستغفرون ، فيغفر لهم » « 1 » فنبّه فيه أن كل أمر في العالم إنما هو لإظهار حكم اسم إلهي ، وإذا كان هكذا الأمر : أي كما وقع فلم يبقى في الإمكان أبدع من هذا العالم ولا أكمل ، وفساده عين الصلاح ، وإفساده عين الإصلاح مع أن السفك يدل على الغلبة ، والعزّة التي لصاحب المرتبة ذي المنعة ، والقوة ، والشوكة . قال تعالى : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف : 103 ] .

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2106 ) ، والترمذي ( 4 / 672 ) ، وأحمد ( 2 / 309 ) .