ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

252

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

ببصره ، ويسمع بسمعه لا بسمع غيره ، وهذه قوى قائمة بجوارحه ، ثم أن هذا الشخص يعمل بعمل زائد عن الفرض الذي افترض اللّه تعالى عليه من نوافل الخيرات ، فينتج له هذا العمل نفي بصره ، وسمعه ، وجميع قواه التي كانت توجب له أحكامها ، فكان ينطلق عليه من أحكامها أنه بصير إلى هذا : أنه بصير سميع إلى ذلك ، فصار يسمع باللّه بعد ما كان يسمع بسمعه ، ويبصر باللّه بعد ما كان يبصر ببصره مع العلم بأن اللّه تعالى تقدّس أن تكون الأشياء محلا له أو يكون هو تعالى محلا لها ، فقد بصر العبد بما لم يقم به ، وسمع بما لم يقم به فكان الحق سمعه ، وبصره وهكذا في

--> - وانظر قول الشيخ الشعراني : وعندي أن هؤلاء القائلين بالاتحاد كلهم لم يصحّ لهم اتحاد قطّ إلا بالوهم ، وانظر كلامهم تجده من أوله إلى آخره لا يبرح من الثنوية ، فإنه لا بدّ من مخاطب ومخاطب . وفي كلامه رضي اللّه عنه ما يغني عن التعليق من نفي تلك الاعتقادات المتوهمة ، وقولي المتوهمة إنما هو بالنظر للمنكر ، فإننا إذا أمعنا النظر في كتابات المعترضين على أقوال الكمّل رضي اللّه عنهم نجدها منصبّة حول معنى غير مقصود بالمرة للقائل ، ولو ذكرت للقائل معنى تلك المقولة بتفسير المنكر لها ؛ لكان من أول المنكرين لها وأشد الناس اعتراضا عليها ، فإذن تلك العقائد المعترض عليها ليس لها وجود إلا في عقل المنكر ، فإنه اعترض على ما فهمه هو ، لا على حقيقة المراد باللفظ . فإذن الخلاف ليس في المعاني ، وإنما هو خلاف نشأ عن استخدام تلك الألفاظ ، ودليلي في ذلك ما ذكرته لك من أقوال هؤلاء الأئمة ، فخذ تلك القواعد واحكم عليهم بمقتضى قولهم تجدهم جميعا أقرب الخلق إلى اللّه وإلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم وأعرفهم باللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . فإن قلت : فكيف العمل في تلك الأقوال الكثيرة المشحونة باستخدام تلك الألفاظ الموهمة ؟ ! أقول لك : بعد ما تقدم ذكره من القول إن لم تستطع قبول تلك الأقوال ولم تفهم المعنى الموافق للشرع الذي هو يقينا مراد القائل فتأولها بما يوافق الشرع ، فإن الكتب الفقهية والشرعية مليئة بالتعارض والترجيحات وتأويل الأقوال والأدلة المتعارضة ، فقس على ذلك واللّه هو الموفّق . واعلم يا أخي أني لم أذكر لك جميع كلام القوم في نفي الحلول والاتحاد ووحدة الوجود المتوهمة وإنما ذكرت لك طرفا منه ، فإنهم نبّهوا عليه كثيرا فاختر يا أخي لنفسك ، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، وو اللّه لا ينسب القول بالحلول أو غيره من القبائح إلى القوم بعد ما ذكرناه من كلام إلا معاند مكابر ، فحمل كلامهم على مرادهم لا غير ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل ، والسلام .