ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

240

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فإن النون : هي مرتبة الإجمال ، والقلم : هو الكاتب ، وما يسطرون : مراتب الأرواح البسيطة المسطرة ، ولما سوّى اللّه تعالى صور العالم : أي عالم شاء كان الروح الكل كالقلم ، واليمين الكاتبة ، والأرواح كالمداد في القلم ، والصور كمنازل الحروف في اللوح ، فنفخ الروح في صورة مميزة بصورها ، فقيل : هذا زيد ، وهذا عمر ، وهذا فرس فمن الناس من منع ذلك ، ولكل واحد وجه يستند إليه في ذلك . والطريقة الوسطى ما ذهبت إليه أمة وسطا كالشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في تفسير قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] فإنه قال فيه : وإذا سوّى اللّه الصورة الجسمية ، فأي صورة شاء من الصور الروحية ركّبها . قال اللّه تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] إن شاء في صورة إنسان أو حيوان أو نبات على ما قدّره العزيز الحكيم القوي العليم ، فثمّ شخص الغالب عليه البلادة ، فروحه تقرب إلى روح الحمار في أصل المزاج ، وهكذا الأمر كله فامتازت الأرواح بصورها فمن عرف كشفا أو تعريفا أن الصور المختلفة الظاهرة في الوجود هي أحكام استعدادات أعيان الممكنات ، عرف كشفا وشهودا أو تعريفا أنه عين مظاهره لا غير . وبيان ذلك أنه لما أراد اللّه تعالى وجود الممكنات ، وأمرها بالتكوين ، ولم يوجد وجود يتصف به ، إذا لم يكن ثمة إلا وجود الحق تعالى ، فظهرت صورا في الوجود الحق ، فتداخلت الصفات الإلهيّة والكونيّة ، فوصف الحق بصفات الكون ، ووصف الحق بصفات الحق ، فمن قال : ما رأيت إلا اللّه صدق ، ومن قال : ما رأيت إلا العالم ما كذب ، ومن قال : ما رأيت العالم إلا ورأيت اللّه قبله ، أو بعده ، أو معه صدق ، ومن قال : ما رأيت شيئا صدق ؛ لسرعة الاستحالة ، وعدم الثبات ، وعين الوجود ، وهو عين الفساد لا أنه بعد الفساد يوجد العين « 1 » .

--> ( 1 ) وتختلف أذواق أهل هذه المشاهد ، فمنهم من يكون ذوقه صديقيّا ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله . -