ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

227

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

( محجوبة بنفسها ) معجبة بها ؛ لتقديسها الذاتي ، وهم الذين يسبّحون الليل والنهار ، ولا يفترون : أي ما ينزّهون ذواتهم عن التقديس العرضي بالشهود الدائم وهذا مقام ما ناله أحد من البشر إلا من استصحب حقيقته من حين خلقت شهود الاسم الإلهي الذي هي عنه تكونت ، فهي مقدّسة الذات عن الغفلات ، فلم تشغله نشأته النوريّة الطبيعية عن تسبيح خالقها على الدوام مع كونهم يختصمون من حيث النشأة ، وبهذا القدر تبيّن فضل الملائكة على الإنسان في العبادة ؛ لكونها لا تفتر ، فإن نشأتها تعطي ألا تفتر ؛ لأن تقديسها ذاتي ، وشهودها دائم . قال رضي اللّه عنه : ما عندي خير من جانب الحق أنه هل نال هذا المقام أحد من البشر أم لا ؟ إن نال أحد قال محمد صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » . فاستصحبه إلى أن وجد اسمه الشريف ، وفي حياته كان يقول : « تنام عيناي ولا ينام قلبي » « 2 » . فكذلك موته صلى اللّه عليه وسلم إنما مات حسّا لا حقيقة ، فاستصحبه حياة المشاهدة « 3 » من الأزل إلى الأبد . وأما قول ذي النون حين سئل عن قوله : بلى في أخذ الميثاق فقال : إلا في أذني يشير إلى علمه بتلك الحالة ، فإن كان عن استصحاب ، فلم أنكره ولم أشهد له ؛ لأن اللّه تعالى لم يعلمني بذلك ، انتهى كلامه . وأظن واللّه أعلم أن خاتم الولاية له في هذا المقام قدم راسخ بحسن الاتّباع ، وله أسوة حسنة في خاتم النبوة ، فافهم أنه خبر وارث ، فافهم . ( لا ترى أفضل من ذاتها ) فإن أخذ الأفضل من فضل اللّه تعالى بقوله : هذا أفضل

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه ( 2 ) رواه أبو داود ( 1 / 52 ) ، والترمذي ( 4 / 518 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 220 ) . ( 3 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : المشاهدة هي إزالة الموانع عن الحقيقة المستعدة لقبول الحق ، وحقيقتها : استغناء النظر الصحيح بالبصيرة النافذة في تحصيل المطلوبات عن نصب الأدلة والبراهين ، وغايتها : رؤية الصديق عين خبر الصادق في صورة كونه ا ه .