ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

205

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

حتى فهموا من هذا السوق قدمهما ، فإذا تقرّر هذا ، فقد تبيّن أن هذه الألفاظ الموهمة هي من الآيات المتشابهة الواجبة التأويل ، ومن أدوات التعليم والتفهيم والتوصيل ، وينبغي لكل عالم على حسب فهمه ، وقوة نفوذه ، وحدة بصيرته وبصره أن يفهم المعاني من وراء حجاب الألفاظ ، ويغالط نفسه ، ولا يغالط نفسه ، فافهم . فإن الأمر أنزه أن يعبّر ، وأعزّ من أن يشار إليه ويفسّر ، وهنا سر آخر وهو من بعض محتملاته ، وهو أنه ورد في الخبر الصحيح : « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » ثم أدرج فيه العارف ، وقال : الآن كما كان : أي لم ترجع إليه من إيجاده العالم صفة لم يكن عليها أزلا ، بل كان موصوفا لنفسه ، ومسمّى قبل خلقه بالأسماء التي يدعونه بها ، فلما أراد وجود العالم ، فانفعلت الحقيقة الكليّة المسمّاة بالهباء التي هي بمنزلة طرح الجص للبناء ؛ ليفتح فيها ما يشاء من الصور والأشكال ، وهي أول موجود العالم ، فتمددت تلك الحقيقة الجصيّة المطروحة بمدد وممدد ذاتي واقتضاء أصلي أشباحا وأشكالا وصورا بلا أرواح على الحسب التقدير السابق ، وتفصيله القائم بنفس الموجد الحق سبحانه ، فإن علم العالم وقدره بعلمه ، وعلمه تابع للمعلوم ، والمعلوم عين ذاته ؛ لأنه في مقام وحدة العلم والعالم والمعلوم ، فافهم هذا المبهم ، ولا تخف إن ما في الوجود غيره ، وكل ما في الوجود مراتب التنزلات الإلهيّة . أما ترى إشارة قوله سبحانه : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] إنه تعالى أثبت له نحو وجوده ؛ ليسمع ، ويطيع خطاب كن فيكون ، فالقول قديم ، وثبوت الشيء باعتبار عينه الثابتة أقدم ، فافهم . وتحقيق هذه المسألة للأعيان الثابتة في حال عدمها وجوديا علما بالنسبة إلى الحق ، وخاليا بالنسبة إلى الإنسان الكامل المتحقق بالحق : أي بمرتبته ، فيقول الحق تعالى له : كن فيكون لسامع هذا الأمر الإلهي وجودا حسيّا : أي يتعلّق به الحس في الوجود

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه .