ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

191

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : أنا العبد المحض الخالص لا أعرف للربوبيّة طعما وإنه في كل زمان واحد ، ومنحني اللّه ذلك هبة ، أنعم بها عليّ لم أنلها بعمل ، بل باختصاص إلهي أرجو من اللّه أن يمسك هذه العبودية علينا ، ولا يحول بيننا وبينها إلى أن تلقاه بها ، فبذلك فليفرحوا هو خير لهم ما يجمعون انتهى كلامه رضي اللّه عنه . ورد في الخبر : إنه لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار ، قال : « اللهم إنّك واحد في السماء وأنا في الأرض واحد عبدك » « 1 » ذكره أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة . فكما أن لا إله إلا هو في أحديته ، كذلك لا عبد إلا المصمت في عبوديته ، فإن حاد العبد عن هذه المرتبة بوصف ما رباني ، وإن كان محمود كصفة رحمانيّة وأمثالها ، فقد زال عن المرتبة التي خلق لها ، وحرم من الكمال والمعرفة باللّه على قدر ما اتّصف به من صفات الحق ، فيقل أو يكثر ، فافهم هكذا ذكره رضي اللّه عنه في باب واحد وثمانين من « الفتوحات » . وقال رضي اللّه عنه في رسالة القدس : فالقوي منّا المتمكّن « 2 » هو الذي يخرق حجاب الجمعية الكبرى العامة بينه وبين ربّه حتى يشاهد ألوهيّة ربّه دون ألوهية نفسه فيتعبّد ، فيعرف عبوديته ، فيكون أقوى الأقوياء حينئذ ، وأشهدها لرفعه ذلك الحجاب الأقوى ، وهو التحقق بالمرتبة الألوهيّة ، فيكون منزلته أعلى ، وقوّته أعظم ، وهناك يتميّز فيتجارى مع العالم في الرفعة ، والانحطاط . وهنالك رأيت مبلغ العارفين ، والعالمين وأما المدرك الذي أومأنا إليه ، فبعيد أن تسمعه من أحد ، أو تراه في غير هذه الرسالة على درج هذا التحقيق لكن تجده مبدّدا

--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 1 / 19 ) . ( 2 ) التمكين هو : الرسوخ والإضافة من قبيل علم الفقه ، وشجر الأراك ، فهو صلى اللّه عليه وسلم مع التجليات الإلهية أي تجلّ كان راسخ متمكّن مستقيم في عين تلوينه ؛ لأن التمكين في عين التلوين أكمل من التمكين لا غيره هو المراد بالاستقامة في قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] : أي تمكن بعين تلوينك ، وإن كان المشهور عند القوم خلاف هذا ، كما نبّه عليه الشيخ الأكبر قدس اللّه سره .