ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

184

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - بالحكيم ، ولكن ليس هو الذي أشار إليه سيدنا رضي اللّه عنه هنا ، إذ حكمته عندنا لا تفيد الصورة المتممة على التحقيق ، وإن كان رسم الحكمة عنده معرفة الأشياء حسبما تعطيه ، وتقضيه طبيعة البرهان ، أو معرفة الأمور الإلهية والإنسانية ، والاعتناء بالموت ، أو المعرفة باللّه على قدرة طاقة الإنسان . كما رسمها سيدنا رضي اللّه عنه في مذهبهم في : « البد » ؛ فإنه لا يفيد ذلك على الوجه الذي يريده المحقق ؛ لأنه عرف اللّه على قدر طاقة الإنسان ، والإنسان ممكن الوجود ، والممكن الوجود لا يعرف الواجب الوجود على حقيقته ، إذ هو عاجز من كل الجهات ، وقد تقدم قصور الفيلسوف ، وعجزه عن الحق في الكلام على الكمالات ، فانظره هناك . ودل من الكلام إنه لم يرد الحكمة التي يشير إليها الصوفي التي هي المشاهدة الحاصلة للنفس بالتوجه للّه ، والتضرع له ، والتعرض لنفحات فيضه ؛ لأن ذلك كله يعطي الإضافة ويشعر بالنقص في جوهر الإنسان ، والصورة حدها هي التي بها الشيء ما هو . وقوله : المتممة ؛ يدل على إنه أراد تمام جوهر الإنسان بالحكمة ؛ فتحصل الصورة التي لا يمكن فيها الزيادة والنقصان ، ولا يكون ذلك إلا إذا وجد السعيد جوهره هو كل شئ ، والأشياء المختلفة فيه الشيء واحد متفق من كل الجهات ، ولا ضدّ عنده ، ولا خلاف ، ولا غيره ، فلا نقص يهرب منه ، ولا كمال يرحل إليه ، ويكون خبره ذات مخبره ، وعينه ذات آنيته . وهذا هو الجوهر السعيد ؛ لأنه في نعيم غير زائد عليه ، وبقاء غير ذاتي طبيعي له ، وهو في حرم وحدته آمنا من طلب الزيادة ، وخوف النقصان . فصورته المتممة : هي صورة الوجود من حيث هو مطلق ، والحكمة التي تفيد هذه الصورة المتممة : هي الحكمة التي تصرف الأشياء إلى شئ واحد ، وتحيل العدد إلى الواحد ، وتعين حقيقة اسم الصمد في ذات كل واحد وموحّد وموحّد ، وترد الممكن واجبا ، وتقلب الموجب سالبا ، حتى يبصر الحكيم خبر الأعداد والإضافة ، لم يزل قبل ذهابه ذاهبا ، فاعلم ذلك . وحكمة الفيلسوف ليست حكمة ؛ فإنها تبصر الأغيار ، وتنتقل من أثر إلى أثر وفاتها كنز التخلق الذي تحت الجدار ، وكاملها في كد الهروب من الكون ، وذل الزيادة الواردة على عقله الفعال فليس له استقلال ، ولا لكماله ثبوت ولا قرار ، وهو بالجملة يتخبط في وهم الإضافة ، ونظر الأغيار . وكذلك الصوفي : فإنه يتلذذ بالمشاهدة ، ويموه بالتوجه ، ويملكه خبر [ التأله ] ويجعل غايته الفناء ، -