ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

174

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

ويشير إلى هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » « 1 » ، وظهور الأخلاق لا يكون إلا في عالم التشبيه للخليفة ، فاستخلف الخليفة واستعان بذاته وتحجّب بحجاب العزّة لاستحالة جمع المستخلف والمستخلف ، ولا يجمع المورث والوارث ، فافهم . وأمّا قولك : إن الميراث من تمليك قهري ؛ فذلك لأن الإرث بحكم الاستعداد وبتحكّم القابليّة ، والاستحقاق الذاتي . ومن هذا المقام قال سبحانه في طائفة : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ الانشقاق : 25 ] إلا منه روع ؛ لأنه اقتضاء ذاتي . وقال في الآخرين : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ النحل : 118 ] وكما أن المال الموروث من غير كسب ، وتصنع من الوارث ، كذلك هنا أن علومه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من غير كسب واستفادة . وهنا مشرب آخر دون ذلك وهو : إن تعلم أن الورث ورثان ، ورث نبوّة أن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الأنبياء ما ورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم « 2 » » . فمن أخذه بحظ وافر ، فلم يبق الميراث إلا في العلم والحال والعبارة عمّا قصدوه من اللّه تعالى في كشفهم ، وهو على نوعين صوري ومعنوي . أمّا الصوري : منه ما يتعلّق بالألفاظ والأفعال وما يظهر من الأحوال ، فإن الوارث ينظر إلى ما كان يفعله النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أبيح للوارث الاقتداء به فيه ، فيأتيها على حد ما وردت لا نزيد ولا يزيد ولا ينقص منها ، وإن اختلفت الروايات فليفعل بكل رواية وقتا بهذا ووقتا بهذا ولو مرة واحدة ، ويدوم على الرواية القويّة إذا أمكن له ولا ينقص أصلا ثابتا . ومن هذا الذوق روي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه : إنه ما أكل البطيخ حتى

--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 9 / 351 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 5 / 170 ) بنحوه . ( 2 ) رواه الترمذي ( 5 / 48 ) ، وابن ماجة ( 1 / 81 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 74 ) .