ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

169

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - وسئل عن المعرفة فقال : هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حبّ الدنيا ، وبروحه عن التعلق بالعقبى ، وبقلبه عن إرادة شيء مع إرادة المولى ، وتجرد بسره عن أن يطمح إلى الكون ، أو يخطى على سره . ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أدباء بغداد ؛ ليمتحنوه في العلم ، فجمع كل واحد منهم سؤالا وجاءوا إليه ، فلمّا استقرّ بهم المجلس أطرق الشيخ رأسه فظهرت من صدره بارقة من نور ، فمرّت على صدور المائة فمسحت ما في قلوبهم ، وبهتوا واضطربوا وصاحوا صيحة واحدة ، ومزّقوا ثيابهم ، وكشفوا رؤوسهم ، ثم صعد المنبر وأجاب الجميع عمّا كان عندهم ، واعترفوا بفضله . وكان من أخلاقه مع جلالة قدره يقف مع الصغير والجارية ، ويجالس الفقراء ، ويفلي ثيابهم ، وكان لا يقوم قط لأحد من العلماء ولا لأعيان الدولة ، ولا ألمّ قط بباب وزير ولا سلطان ، وكان يرى الجلوس على بساط الملوك ، ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير ، وكان إذا جاءه الخليفة أو الوزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم لأحد ؛ إعزازا للطريق في أعين الفقراء . وكان الشيخ علي الهيتي رضي اللّه عنه يقول عن الشيخ عبد القادر الكيلاني : كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة ، وكانت طريقته تجريد التوحيد مع الحضور في موقف العبودية . وكان الشيخ عدي بن مسافر الأموي رضي اللّه عنه يقول : طريق الشيخ عبد القادر الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح ، واتحاد الظاهر والباطن ، والسلامة من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع والضر في القرب والبعد . وكان الشيخ بقاء بن بطؤ رضي اللّه عنه يقول : كان طريق الشيخ عبد القادر اتحاد القول والفعل ، واتحاد النفس والوقت ، ومعانقة الإخلاص والتسليم ، وموافقة الكتاب والسّنة في كل نفس وخطرة ووارد وحال والثبوت مع اللّه عزّ وجل . وعنه رضي اللّه عنه أيضا كانت قوة الشيخ عبد القادر في طريقه إلى ربّه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوما ، وكانت طريقته التوحيد وصفا وحكما وحالا ، وحقيقته الشرع ظاهرا وباطنا ، ووصفه قلب فارغ ، وكون غائب ، ومشاهدة رب حاضر بسريرة صافية لا تتجاذبها السلوك ، وسر لا تنازعه الأغيار ، وقلب لا يفارقه البقايا . -