ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
136
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
واختلاف الشرائع لاختلاف النسب الإلهية ، فدار الدور ، وانتهى كلامه رضي اللّه عنه . ثم نرجع ونقول : إن اختلاف الأمم باختلاف الاستعدادات والقابليات المختلفة كالماء فإنها حقيقة واحدة تختلف في الطعم باختلاف البقاع ، فمنها عذب فرات ومنها ملح أجاج وهو ماء واحد في جميع الأحوال لا يتغيّر عن حقيقته وإن اختلفت الطعوم ، كذلك أحديّة الطريق أنها حقيقة واحدة تختلف أحكامها باختلاف القوابل ، يعرف ما قلنا من عرف وحدة الوجود مع الكثرة المشهودة بالذوق ، فافهم . ( وصلّى اللّه على ) : أي أفاض الاسم الجامع لجميع الكمالات رحمته لجامع جميع التجلّيات ذاتا واسما وصفة ، فلما كان المقام مقام الدعاء عدل من الجملة الإسمية إلى الجملة الفعلية ؛ ليدل على التجدد والاستمرار ، يشير إلى أن الصلاة من اللّه تعالى مجدد دائما أبدا على ممد الهمم . ( الهمم ) جمع همّة ، والهمة « 1 » تجريد القصد كحصول المطلوب ، وهي ولو كانت كمالا ولكن هي للمتوسطين العارفين للترقي ؛ لأن كمال العلم يمنع التصرّف بالهمة والتحكم بها وهما لأرباب الأحوال لا للمتمكنين ، فإن كان الأكابر يرون التصرّف
--> ( 1 ) الهمة : تطلق بإزاء تجريد القلب بالمنى ، ممكنا كان ذلك أو محالا ، وعلى صاحب هذه الهمة أن ينظر فيما يتمناه ، ويحرره ، فإن أعطاه الرجوع عن طلبه بكونه محالا رجع ، وإن أعطاه الغريمة غرم . وتطلق بإزاء أول صدق المريد : وتسمى هذه الهمة ، همة الإرادة ، وهي همة جمعية وتنحصر النفس عليها فلا يقاومها شيء حتى إنه لو تصور شيئا ، وأراد وقوعه ، لوقع في الحين ، والنفس إذا انحصرت على الجمعية ، وأحيطت فيها بالقوة والملكة انتقلت لها أجرام العالم والأرواح ولا قصاص عليها بشيء . وليس من شروط هذه الجمعية الإيمان ، ولذلك ظهرت آثارها على بعض كفار الهنود ، ولهم في الكون الأسفل تصرفات عجيبة ، ويزعمون أنهم أهل التروحن والتقديس . وتطلق بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام . وهذه الهمة إنما تسمى بهمة الحقيقة ، وهي همة الكمل من أهل اللّه تعالى ، حيث جمعوا الهمم المتعلقة بأنحاء الكمال على الحق ، واطلعوا بصفاء الإلهام توحيده الذاتي وتوحيده الجمعي الأسمائي من مشاهدة التفصيل في جمعه كما هو .