ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
117
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
والفناء . ثم جاءت إلها آخر إشارة إلى بقاء وجوده آخرا عند محو الرسوم ، وهذا هو المقام الذي يضمحل فيه أحوال السائرين ، وتنعدم فيه مقامات السالكين حتى يفنى ما لم يكن ، ويبقى من لم يزل لا غير ؛ ليثبت لظهوره ولا ظلام يبقى لنوره . ويشير إلى هذا المقام قوله تعالى : لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ [ المدثر : 28 ] . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » فالألف الموصولة بالإضافة أعني : ألف اللّه إشارة إلى تحقيق اتصال الوحدانية ، وتمحيق انفصال الغيرية وهو تحقيق المتصل بتمحيق المنفصل ، فافهم . والألف الثانية في اللام الثانية تمحو آثار الغير المتحصّل : أي من الوهم المكتسب وظهور اللام بالاستقلال ، وإما إلها للهوية السارية إشارة إلى أنه منها بدأ وبها ختم وملّكها الأمر في الوجود والعدم ، وجعلها دالة على الحدوث والقدم ، واللّه بكل شيء محيط ، وصيّر الكل اسما ومسمّى ، وأرسله مكشوفا ومعمّا اللّه هو الولي الأعلى . أما ترى أن اللام الثانية لما كانت مراده الكل مجتباه كيف أعربت واتصلت بألف الوحدانية اتصالا شافيا حتى صار وجودها نطقا يدل على الألف دلالة صحيحة ، وإن كانت الذات خفيت فإن لفظك باللام تحقيق الاتصال . ويشير إلى هذا قول أعلم الخلق باللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 2 » فمن عرف اللام الثانية عرف اللام بخلاف اللام الأول ، فإنه مع الهمزة ولا يظهر الألف . أما ترى تعانق اللام مع الألف تعانقا حبيبا عشيقا لا يفارقها أبدا ؛ بل في ظهور الأول ثابت الهمزة عنها : أي عن الألف ، وهي في حجاب غرة البطون لا تقبل الحركة والخروج لو شاء لجعله ساكنا .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) ، والترمذي ( 5 / 6 ) ، وابن حبان ( 1 / 375 ) . ( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 208 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 1 / 225 ) .