ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
108
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
« أحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » . وهذا معنى قوله رضي اللّه عنه في أوّل الكتاب : إن رؤية الشيء نفسه بنفسه ليس مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون كالمرآة ، فشاء أن يخلق الخلق حتى يكون مرآة يرى فيها فافهم . ونص متم لأمر وحدة الوجود ، والذي هو العين المقصود ، واعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أن كل ما ظهر في الوجود ، وامتاز من الغيب على اختلاف الظهور ، والامتياز في التحقيق الأتم ، ليس إلا تجلّ واحد يظهر له بحسب القوابل ومراتبها
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 2 / 173 ) . وقال سيدي علي وفا رضي اللّه عنه : الوجود الإلهي هو العليم الحكيم ، فلا علم ولا حكمة في كل مقام فرقيّ بحسبه إلا منه وله ، وبما هو وجود العقل النظري العارف فهو العارف والمتعرف ، وحيث تعرّف بشواهد المرتبة الإلهية إلى هذا العقل حتى أدرك ما ناسبه منها في إدراكه الخاص بمرتبته النظرية المسمّاة بالمعرفة ، كان اللّه الإله بذلك هو العارف والمعروف حقيقة بما هو نفسه المرتبية حقيقة هنالك ، والمعروف للمرتبة العقلية مجازا فرقيّا في ذلك ، فهو العارف والمعروف حقيقة بما هو الوجود القابل ، والفاعل للمعرفة في هذه المرتبة النظرية ، وهو المعروف بما هو الفاعل فيها ، والمتعرف العارف بالتعرف بما هو القابل فيها ، الأول بما هو الحق القائم على خلقه ، والقيوم بأمره ، والثاني بما هو الخلق المتقوم بحقه ، والقائم بربه ، القائل ببعض نواطقه : « كنت كنزا لا أعرف » : أي حيث لم تتميز مرتبة النظر التي هي ذات الإدراك المسمّى عرفانا وتصورا وتصديقا تمييز الفصل الفرقي الإمكاني ، « فأحببت أن أعرف » : أي باقتضاء الحقائق الوجوبية مثالاتها الإمكانية ، « فخلقت خلقا » ، هم مراتب كون العقول النظرية ، « وتعرّفت إليهم » : أي بشواهد أعيان غيوب المعاني الإلهية ، « فبي عرفوني » ؛ لأني وجودهم ووجود عقولهم ، ووجود شواهد شهودها ، وهذه الصورة الإلهية العرفانية هي التي ما تصورت في إدراك إلا عامل مدركه ، مهما عامله حكمه بهذا المعروف الروح القدوس السبوح العليم الحكيم ، بحسب إدراكه وتحققه به تصورا وتصديقا ، وغلبته بحكمه عليه تخلقا وفعلا ، فهذه هي المعاشرة بالمعروف ، أعني المعاشرة بالحكمة في كل مقام بحسبه .