عبد الوهاب الشعراني

267

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

فإن قال قائل : هذا غير متصوّر في العقل . فالجواب أن كلّ ما عسر على العقل تصوّره يكفينا فيه الإيمان به ، وردّ معناه إلى اللّه تعالى ، وقد ذكر الشّيخ محيي الدّين في الباب الخامس عشر وثلاثمائة ما يؤيّد الإيمان بمثل ذلك « 1 » ، وهو ما رواه التّرمذيّ وغيره أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خرج يوما على أصحابه ، وفي يده كتابان مطويّان ، وهو قابض بكلّ يد على كتاب ، فقال لأصحابه : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ فأخبرهم أنّ في الكتاب الذي في يده اليمنى أسماء أهل الجنّة ، وأسماء آبائهم ، وقبائلهم ، وعشائرهم إلى يوم القيامة ، وأنّ الذي في يده اليسرى فيه أسماء أهل النّار ، وأسماء آبائهم ، وقبائلهم ، وعشائرهم إلى يوم القيامة ، انتهى الحديث « 2 » ، فلو أنّ الإنسان أراد أن يكتب هذه الأسماء على ما هي عليه في هذين الكتابين لما قام بذلك ورق الدّنيا ، ومن هنا تعرف كتابة اللّه من كتابة المخلوقين « 3 » . قال الشّيخ محيي الدّين « 4 » : وهذا علم غريب عجيب ، وقد ذقناه وشاهدناه ، وحكي أنّ فقيرا كان طائفا بالبيت « 5 » ، فقال له إنسان : هل نزلت لك ورقة من السّماء بعتقك من النّار ؟ فقال : لا ، وهل ينزل للنّاس أوراق ؟ فقال له الحاضرون : نعم ، وهم يمزحون معه ، فما زال يطوف ويسأل اللّه « 6 » أن ينزّل له براءة من النّار ، فنزلت

--> - ( 11432 ) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، باب فضل الحجر الأسود ( 5489 ) ، 4 / 407 . وفي رواية أخرى : " أشهدوا هذا الحجر خيرا ، فإنه يوم القيامة شافع مشفع ، له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه " . انظر : الهيثمي ، مجمع الزوائد ، باب فضل الحجر الأسود ( 5487 ) ، 4 / 407 . وفي رواية ثالثة : " يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان " . أخرجه أحمد في المسند ، 2 / 211 ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، الباب نفسه ( 5486 ) ، 4 / 407 . ( 1 ) عنوان هذا الباب " في معرفة منزل وجوب العذاب من الحضرة المحمدية " . انظر : الفتوحات المكية ، 5 / 83 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ، 2 / 167 ، والترمذي في السنن ، كتاب القدر ( 2148 ) ، 4 / 56 ، وجامع الأحاديث القدسية ، كتاب التوحيد والإيمان ( 73 ) ، 1 / 98 . ( 3 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 5 / 87 . ( 4 ) قول محيي الدين في الباب الخامس عشر وثلاثمائة في الفتوحات المكية ، 5 / 87 . ( 5 ) عبارة محيي الدين : " وقد حكي عن بعض البله من أهل الحاج أنه لقي رجلا وهو يطوف طواف الوداع ، فأخذ ذلك يمازح هذا الأبله . . . " . انظر : الفتوحات المكية ، 5 / 87 . ( 6 ) " ب " : " اللّه تعالى " .