عبد الوهاب الشعراني

191

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

عنّا « 1 » ؛ لأنّنا لا نتعقّل غناه إلّا بنا « 2 » ، ومن هنا قال سهل بن عبد اللّه « 3 » : إنّ للرّبوبيّة سرّا لو ظهر لبطل ظهور حكم الرّبوبيّة ، انتهى . وهو يؤيّد ما نقلناه عن بعضهم ، وأمّا على ما قرّرناه من البرهان فاللّه - تعالى - غنيّ على الإطلاق ، والعالم هو الفقير إلى اللّه - تعالى - في وجوده لا ينفكّ عنه الافتقار إليه طرفة عين . فإن قال قائل : فهل يوصف من أعطاه اللّه - تعالى - حرف " كن " بالافتقار إلى اللّه تعالى ، أم يخرج عن صفة الفقر ؟ فالجواب أنّه لا يصحّ خروجه قطّ لصفة الغنى ؛ وذلك لأنّ اللّه - تعالى - هو الذي تفضّل عليه بحرف " كن " ، وليس له من ذاته قوّة على تكوين شيء ، وأيضا فإنّه من أعطاه اللّه - تعالى - حرف " كن " لا يقول لشيء " كن " حتّى يشتهيه ، فما طلب إلّا ما ليس عنده ليكون عنده ، وليس الأمر كذلك في حقّ اللّه تعالى ، فإنّه ما أمر بالتّكوين إلّا ما هو ثابت في علمه ليسبغ عليه نعمه إذا أوجده باستدعاء ذلك المعلوم من ربّه أن يوجده ، وأن « 4 » يخرجه من العدم ، وهذا معنى قول بعضهم إنّ اللّه - تعالى - أوجدنا لنا لا له ، فضلا منه إلينا ؛ لأنّنا ما برحنا في علمه حال وجودنا وحال عدمنا . فإن قال قائل : فهل الأولى أن يقال : فلان غنيّ باللّه ، أو غنيّ بما منّ اللّه ؟ فالجواب أنّ الأولى أن يقال : فلان مستغن بما منّ اللّه لا باللّه ؛ لأنّ الغنى بعين الحقّ - تعالى - لا يصحّ ، فلو قال العبد : يا ربّ ، أنا جوعان ، أمره بأكل الرّغيف ، أو عطشان ، أمره بشرب الماء ، وما وضع اللّه - تعالى - الأسباب سدى « 5 » ، فما أغنى من شاء

--> ( 1 ) " د " : قوله : " ولا بد من ثبوت هذا الغنى له نعتا حتى يصح لنا تصور غناه عنا " ساقط ، وهو مثبت في " أ " و " ك " و " ب " و " ز " والفتوحات . ( 2 ) هنا تنتهي عبارة محيي الدين في الفتوحات ، ومنها : " وهي مسألة دقيقة لطيفة الكشف ، فإن الشيء لا يفتقر إلى نفسه ، فهو غني بنفسه عن نفسه لكونه عند نفسه ، . . . ، وأما تنزيهه عما يجوز علينا ، فما وقع الثناء عليه إلا بنا ، فهو غني عنا بنا ، لأن كونه غنيا إنما هو غناه عنا ، فلا بد من ثبوت هذا الغنى له نعتا " . انظر : الفتوحات المكية ، 7 / 312 . ( 3 ) هو التستري ، وقد تقدمت ترجمته قبلا . ( 4 ) " ك " ، " ز " : " أن " ساقطة . ( 5 ) الكلام لمحيي الدين في الفتوحات المكية ، 3 / 313 .