عبد الوهاب الشعراني

180

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

مركّب ، انتهى « 1 » . فإن قال قائل : فما سبب الحيرة في اللّه تعالى ؟ ومعلوم أنّ من لازم صاحب الحيرة الجهل باللّه تعالى ، وقد أمرنا الحقّ - تعالى - بمعرفته وبالخروج من الجهل ؟ فالجواب أنّ سبب الحيرة في اللّه - تعالى - طلبنا « 2 » معرفة ذاته - تعالى - بأحد هذين الطّريقين : إمّا بالأدلّة العقليّة ، وإمّا بطريق يسمّى المشاهدة ، فأمّا الدّليل العقليّ فهو يمنع من المشاهدة ، وأمّا الدّليل السّمعيّ فقد أومأ إليها وما صرّح ، وقد منع الدّليل العقليّ من إدراك حقيقة ذاته - تعالى - من طريق « 3 » الصّفة الثّبوتيّة النّفسيّة التي هو - تعالى - في نفسه عليها ، فلم يدرك العقل بنظره إلّا صفات السّلوب ، وقد سمّى القوم « 4 » ذلك معرفة ، وقالوا : كلّما زادت الحيرة في اللّه تعالى ، زاد العبد في العلم به كأنّه يقول : اللّه أجلّ وأعظم أن يحيط به عقل « 5 » ، ومن هنا كانت حيرة أهل الشكف أعظم لإدراكهم اختلاف التّجلّيات مع الآيات ، فلا يستقرّ لهم في معرفته - تعالى - قدم « 6 » . وقال في " لواقح الأنوار " : ليس عند الفلاسفة ولا أصحاب الأفكار علم بنفوسهم فضلا عن غيرها من حقائقهم ، فإنّهم سلكوا بالفكر ، فما برحوا من الكون ، فما عندهم جزم غيرهم « 7 » ، وتعالى اللّه تعالى عمّا يتخيّلونه في نفوسهم ، ويولّدونه بعقولهم ، فإنّ اللّه - تعالى - قد أخبر بأنّه لم يلد ولم يولد ، فشمل ولادة البراهين والأدلّة والأفكار وما بحثوه « 8 » بأفكارهم ، وإذا كان الدّليل لا يعرف إلّا بالدّليل ، فما إلى معرفته - تعالى - سبيل ، فإنّ من علمت به معلوما وجهلته فما علمته ؛ لأنّك ما علمته به « 9 » ، وقد قالوا : لكلّ عقل عقل

--> ( 1 ) أي انتهى كلام محيي الدين في باب الأسرار ، 8 / 204 . ( 2 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " طلب " ، وهي في عبارة محيي الدين كما هي المتن . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 408 . ( 3 ) " ك " ، " ز " : العبارة : " من طريق صفاته من طريق الصفة الثبوتية " . ( 4 ) " ك " ، " ز " : " رضي اللّه عنهم " . ( 5 ) " د " : " أن يحيط بعظمته عقل " ، " ك " : " به عقلي " ، " ز " : " أن يحيط بعظمته عقلي " . ( 6 ) الكلام مقتبس بتصرف من عبارة محيي الدين في الباب الخمسين من الفتوحات ، وعنوانه : " في معرفة رجال الحيرة والعجز " ، انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 408 . ( 7 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " فما عندهم غيرهم " . ( 8 ) " ك " : " نحتوه " . ( 9 ) وردت عبارة محيي الدين هذه في الفتوحات المكية في باب الأسرار ، 8 / 99 .