عبد الوهاب الشعراني
171
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
انتهى علمهم ، وأمّا نحن فقد أطلعنا اللّه - تعالى - على ما فوق ذلك من طريق الوهب الإلهيّ ، وهو أنّ الأسماء الإلهيّة هي المدبّرة في أهل حضراتها من جميع العالم ، وهي المعبّر عنها بالمفاتح « 1 » الأول التي لا يعلمها إلّا هو ، ولا أدري أأعطى اللّه - تعالى - ذلك غيري من الأمّة ، أو خصّني به من بينهم ، وكلّ من تحقّق بعلم ذلك علم أنّ الحجّة البالغة للّه - تعالى - عليه ، فإنّ الأسماء ما دبّرت في العالم وجوده ، وإنّما دبّرت خروجه من مكنون علم اللّه - تعالى - إلى هذا الوجود المشهود لنا لا غير ، انتهى « 2 » . فإن قلت : فإذا حضرة العلم على التّحقيق هي حضرة المعلومات ، وهي نسبة بين العالم والمعلوم ، فالجواب : نعم ، وهو كذلك ، كما ذكره الشّيخ في الباب الثّامن والخمسين وخمسمائة من " الفتوحات " « 3 » ، فليس للعلم أثر في المعلوم لتأخّره عنه عقلا ، ونظير ذلك المحال ، فإنّ المحال لا أثر لك فيه من حيث علمك به ، فإنّه إذا أعطاك العلم بنفسه أعطاك العلم به أنّه محال ، ومن تحقّق بعلم ما قلناه علم أنّ جميع أعيان الممكنات صدرت عن القول الإلهيّ كشفا وشرعا ، كما صدر عن القدرة الإلهيّة كشفا وشرعا وعقلا « 4 » ، وأنّها لم تظهر عن العلم الإلهيّ ، وإنّما ظهر الممكن في عينه ، فتعلّق به عقلا علم الذّات العالمة به ظهورا لا إيجادا ، فلم يتعلّق به معدوما ما عندها أبدا « 5 » ، وكذلك من تحقّق بعلم ما ذكرناه فهو العالم بقوله - تعالى - : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 6 » ، وليس فوق ما ذكرناه من العلم لمن سوانا من هذه الأمّة في اعتقادنا إلّا ما هو جهل ، فتأمّل . وسمعت سيّدي عليّا المرصفيّ - رحمه اللّه تعالى - يقول : ليس بين علم الحقّ
--> ( 1 ) الفتوحات : " المفاتح " . ( 2 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 1 / 155 . ( 3 ) عنوان هذا الباب هو " في معرفة الأسماء الحسنى : حضرة العلم ، وهي للاسم العليم والعالم والعلام " ، انظر : الفتوحات المكية ، 7 / 327 ، وعبارته ثم : " فالعلم متأخر عن المعلوم ؛ لأنه تابع له ، هذا تحقيقه ، فحضرة العلم على التحقيق هي المعلومات " . ( 4 ) لم ترد كلمة " كشفا " في الفتوحات ، والعبارة : " وعن القدرة الإلهية عقلا وشرعا " . انظر : الفتوحات المكية ، 7 / 327 . ( 5 ) هنا ينتهي كلام محيي الدين في الفتوحات ، 7 / 327 . ( 6 ) ( النحل ، الآية 118 ) .