عبد الوهاب الشعراني
168
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
يكن عنده ، كما قد يقع « 1 » من أهل الفهم السّقيم ، من نحو قوله - تعالى - : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ « 2 » ، والجواب أنّ ذلك فهم لا يجوز اعتقاده ؛ لأنّ الحقّ - تعالى - لم يزل عالما بجميع الأشياء قبل وجودها في عالم الشّهادة ، ثمّ إنّه أوجدها في عالم « 3 » الشّهادة على حدّ ما علمها ، لم يتجدّد له علم بها عند تجدّد الأشياء كما تقدّم في العقيدة أوّل الباب ، ولم تزل الأمور كلّها معلومة للحقّ - تعالى - في مراتبها بتعداد صورها ، هكذا إدراكه - تعالى - للعالم كلّه حال عدمه ووجوده ، فتنوّعت الأعيان في خيال الممكنات ، لا في علمها ، ثمّ لمّا كشف لها عن نفسها وهي في العدم استفادت العلم بما لم يكن عندها حالة لم تكن عليها ، فإنّ اللّه - تعالى - ما أوجد الأعيان إلّا ليكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شيء على التّتالي « 4 » والتّتابع . واعلم يا أخي أنّ العلماء قد اضطربت أفهامهم في قوله - تعالى - : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ؛ وذلك لأنّ من أشكل العلوم إضافة العلم الإلهيّ إلى المعلومات ، والقدرة إلى المقدورات ، والإرادة إلى المرادات « 5 » ، وظاهر ما يقتضي ذلك كون الحقّ - تعالى - جعل نفسه يستفيد « 6 » العلم من المعلومات أشكل ، وأشكل عند أهل القصور من الفهم ، فما اضطربت أفهام العلماء إلّا في تأويل ذلك للقاصرين بما تقبله أفهامهم ؛ لأنّ من أعطاك العلم بنفسه ولا يعلم هو نفسه ، ولا ما يعطيك من العلم لا يكاد العقل يتعقّله على ظاهره أبدا ، فإنّ الحقّ - تعالى - لولا أنّه أعطى الموجودات العلم بنفسها ما كانت عرفت نفسها . [ مذهب الشّيخ محيي الدّين على قول الحقّ حَتَّى نَعْلَمَ ] وأطال الشّيخ محيي الدّين « 7 » في الكلام على هذه الآية في الباب الرّابع وأربعمائة من " الفتوحات " « 8 » ، ثمّ قال : وسبب اضطراب عقول العلماء في فهم هذه الآية إنّما هو من
--> ( 1 ) " ك " : " كما يقع " . ( 2 ) ( محمد ، الآية 31 ) . ( 3 ) " د " : " أوجدها لعالم " . ( 4 ) " ك " ، " ز " : " التوالي " . ( 5 ) العبارة لمحيي الدين في الباب الرابع وأربعمائة من الفتوحات المكية ، 7 / 8 . ( 6 ) " ك " ، " ز " : " ليستفيد " . ( 7 ) " ك " ، " ز " : " رضي اللّه عنه " . ( 8 ) عنوان هذا الباب : " في معرفة منازلة : من شق على رعيته سعى في هلاك ملكه ، ومن رفق بهم بقي ملكا ، كل سيد قتل عبدا من عبيده فإنما قتل سيادة من سياداته ، إلا أنا فأنظره " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 8 .