عبد الوهاب الشعراني
129
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
أوجد « 1 » العالم بعد أن لم يكن أوجده في ذاته « 2 » ؛ لأنّه ما ثمّ غير ذاته تعالى « 3 » ، حتّى إنّ بعضهم أنشد في حال غيبه في مناجاته : قطعت الورى من نفس ذاتك قطعة * ولا أنت مقطوع ولا أنت قاطع « 4 » والجواب أنّ هذا الكلام لا يجوز اعتقاده بإجماع المسلمين ، فقد أجمع القوم على أنّه لا يجوز أن يقال إنّ الحقّ - تعالى - مصدر للأشياء ، لإيهامه وجود المناسبة بين الممكن والواجب ، وبين من يقبل الأوّليّة وبين من لا يقبلها ، وبين من هو مفتقر في إيجاده إلى غيره ، وبين من هو غنيّ بذاته ، ولو أنّ العالم كان صادرا عن ذات الحقّ - جلّ وعلا - كما تقدّم ، لكان حكمه حكم خالقه ، ولم يرد لنا شرع بالإذن بكون الحقّ - تعالى - يجوز أن يطلق عليه أنّه مصدر للأشياء « 5 » إلّا أن يكون المراد أنّه صادر عن قول الحقّ - تعالى - له : " كن " ، فهذا لا بأس به . وسمعت سيّدي عليّا المرصفيّ - رضي اللّه عنه - « 6 » يقول : من الأدب إذا سئل أحدنا عن العالم من أين جاء به اللّه - تعالى - أن يقول : لا نعلم ، فإنّ اللّه - تعالى - أخرجنا من بطون أمّهاتنا لا نعلم شيئا من أحوالنا السّابقة على وجودنا ، انتهى . وسمعته - رضي اللّه عنه - « 7 » مرارا يقول : إنّ اللّه - تعالى - أوجد الكائنات موافقة لما سبق به العلم بعد أن لم يكن لها وجود في أعيانها عند نفسها ، كما لا علم لها
--> ( 1 ) " ك " ، " ز " : " أمر " . ( 2 ) " ك " : " ذاته تعالى " . ( 3 ) " ب " ، " ك " : قوله : " لأنه ما ثمّ غير ذاته تعالى " ساقط . ( 4 ) الشعر من الطويل لعبد الكريم الجيلي من قصيدته " النادرات العينية " ، وهي من أطول الآثار الشعرية في التصوف الإسلامي ، وتتألف من 534 بيتا ، والبيت كما هو في القصيدة : قطعت الورى من ذات نفسك قطعة * ولم تك موصولا ولا فصل قاطع ولكنها أحكام رتبتك اقتضت * ألوهية للضد فيها التجامع وفيها ينفي عقيدة الحلول بقوله : ونزهه عن حكم الحلول فما له * سوى وإلى توحيده الأمر راجع انظر : عبد الكريم الجيلي ، قصيدة النادرات العينية ، 74 ، ( وسترد له ترجمة بعدا ) . ( 5 ) " ك " : العبارة : " يجوز عليه أنّه مصدر للأشياء " . ( 6 ) " ك " ، " ز " : " رحمه اللّه تعالى " . ( 7 ) " ب " : " رضي اللّه عنه " ليست فيها .