عبد الوهاب الشعراني

8

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ونهى صلى اللّه عليه وسلم عائشة رضي اللّه عنها عن الأكل في يوم واحد مرتين وقال لها : « أكلتان في النّهار إسراف واللّه لا يحبّ المسرفين » . مع أنه صلى اللّه عليه وسلم أباح لأمته أن يجمعوا كل يوم بين الغداء والعشاء بل هو الأكثر من فعله صلى اللّه عليه وسلم رحمة بالضعفاء من أمته ، وقد عمل القوم على نحو ذلك مع المريدين الصادقين ، فآخذوا المريد بتناوله الشهوات المباحة وبوضعه جنبه إلى الأرض من غير ضرورة ، وبالأكل من غير جوع ، وبالنسيان وبالاحتلام ، وكذلك آخذوه بمد رجله في ليل أو نهار إلا لضرورة إلى غير ذلك ، ولهم في ذلك أدلة يستندون إليها . فأما دليلهم في مؤاخذتهم المريد بأكل الشهوات المباحة ، فهو كون الحق تعالى نعى أهل النار بأكلهم الشهوات بقوله تعالى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ [ الأحقاف : 20 ] . وقالوا : ما نعاه اللّه تعالى على أهل النار وجزاهم عليه بالعذاب فالمؤمن أولى أن يتركه ، وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول في قوله تعالى : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [ مريم : 59 ] . هو واد في جهنم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات . وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات ، فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ا ه ، والنوم كذلك بجامع الغفلة والحجاب عن اللّه تعالى إلا لضرورة . وأما دليلهم في مؤاخذتهم المريد بالنسيان ، فإنه لا يصح وقوعه من المريد إلا بعد تعاطيه مقدمات ذلك الأمر الذي نسيه من الغفلة والتهاون به بدليل ما قاله علماؤنا فيمن نسي الماء في رحله أو أضله فيه ، فلم يجده بعد الطلب فتيمم وصلى أنه يقضي ما صلاه بالتيمم ونسبوه إلى التقصير في نسيانه وإضلاله ، وقالوا لو صلى بنجس لم يعلمه وجب القضاء في الجديد وإن علم به ثم نسي وجب القضاء على المذهب والنظائر كثيرة . وكان الشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه يقول : إنما آخذ القوم المريد بالنسيان لأن مبنى طريقهم على الحضور الدائم مع اللّه عز وجل ، والنسيان عندهم نادر والنادر لا حكم له مع أن قاعدة الشريعة رفع حكم النسيان إلا ما استثنى ، كتدارك ما نسيه من الصلاة وضمان ما أكله من طعام الغير بغير إذنه ناسيا ونحو ذلك . ثم ليتأمل ذلك الناسي في نفسه في شدة اعتنائها بتحصيل أمر الدنيا وعدم وقوعه في نسيانه ، كما إذا وعده شخص بألف دينار يعطيها له في الوقت الفلاني ، كيف يصير يتذكر ذلك لحظة بعد لحظة حتى يأتي وقته حرصا على سحت الدنيا فأراد أهل اللّه تعالى من المريد أن يقلب تلك الداعية التي عنده للدنيا ويجعلها لأمور الآخرة ليفوز بمجالسة اللّه تعالى في الدارين . وأما دليلهم في مؤاخذتهم المريد بالاحتلام ، فلأنه لم يقع منه إلا بعد مقدمات