عبد الوهاب الشعراني

693

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وروى أبو داود وغيره مرفوعا : « اذكروا محاسن موتاكم ، وكفّوا عن مساويهم » . وفي « الصحيح » مرفوعا : « إذا حضرتم الميّت فقولوا خيرا فإنّ الملائكة تؤمّن على ما تقولون » . وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « لا تسبّوا الأموات فإنّهم أفضوا إلى ما قدّموا » . وروى أبو داود مرفوعا : « إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه » واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن النياحة على الميت أو نعيه نعي الجاهلية : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نمكن أحدا من عيالنا وأولادنا وجيراننا وغيرهم ينوح على ميت ولا ينعيه بنعي الجاهلية ، ولا يلطم وجه نفسه لأجله ، ولا يخمش وجهه ولا يشق ثوبه ، ولا يحلق شعر رأسه إن كان يربي شعره ولا نمكن عيالنا من حلق رؤوسهن ولا غير ذلك مما يشعر بالسخط على مقدور اللّه عز وجل وعدم الرضا به ، وهذا العهد يتساهل بخيانته غالب الناس مع علمهم بتحريم هذه الأفعال . وقد مات ولد لأبي بكر الشبلي مرة فحلقت أمه رأسها ، فدخل الشبلي فرآها فحلق الآخر لحيته ، وقال أنت حلقتي على مفقود وأنا حلقت على موجود ، ودخل مرة أخرى على زوجته وهو في حال فوجدها لا لحية لها ، فدخل الحمام ورمى شعر لحيته بالنورة ، وقال أحب موافقة زوجتي . فإياك يا أخي والاعتراض على أحد من أرباب الأحوال إذا فعل مثل ذلك وسلم لهم حالهم فإنهم في حال غلبة الحال غير مكلفين كما هو مقرر بين القوم ، ثم إذا منّ اللّه تعالى على الواحد منهم بالكمال حفظ أفعاله كلها من مخالفة السنة . وقد دخل الشبلي مرة على الجنيد ، وهو جالس على سرير هو وزوجته فأرادت زوجة الجنيد أن تستتر فقال لها ليس هو هنا ، فتكلم الشبلي ساعة ثم رجع إلى إحساسه ، فقال الجنيد : قد رجع إلى إحساسه استتري الآن ، فلو كان الجنيد يرى أنه مكلف لأمر زوجته بالستر وأنكر على الشبلي الدخول على زوجته بغير إذن ، وما ذكرت لك هذه الحكاية إلا خوفا عليك من المقت ، فإن صاحب الحال ربما أثر فيمن أنكر عليه . واعلم أنه لا فرق في تحريم النوح والندب بين أن يكون من أهل الميت أو الأجانب سواء كان ذلك من النساء بأجرة أو بغير أجرة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه » . وفي رواية : « من ينح عليه » . وفي رواية مرفوعا : « من ينح عليه فإنّه يعذّب بما نيح عليه يوم القيامة » . وروى مسلم مرفوعا : « اثنتان هما في النّاس : كفر الطّعن في النّسب والنّياحة على الميّت » .