عبد الوهاب الشعراني
68
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يجدوا إلّا أن يستهموا عليه لاستهموا » . وفي رواية لمسلم : « لو يعلمون ما في الصّفّ الأوّل لكانت قرعة » . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم مرفوعا : « خير صفوف الرّجال أوّلها وشرّها آخرها » . وروى ابن ماجة وغيره مرفوعا عن العرباض ابن سارية : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يستغفر للصف المقدم ثلاثا وللثاني مرتين » وقد تقدم الحديث آنفا . ولفظ ابن حبان « كان يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة » . وفي رواية للنسائي وابن حبان « كان يصلي على الصف الأول مرتين » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ تسوية الصفوف : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نسوي صفوفنا ونتراصّ فيها ونقدم الوقوف في ميامنها على غيره من الوسط أو المياسر ، وفي ذلك أسرار لا تذكر إلا مشافهة . وينبغي أن لا يكون بين أحد من أهل الصف وبين من هو في صفه شحناء ولا حسد ولا غل ولا مكر ولا خديعة ليوافق الباطن صورة الظاهر ، فإن اختلاف القلوب أشد من اختلاف الجوارح ، ولذلك منع الإمام مالك رضي اللّه عنه صحة اقتداء مصلي الظهر مثلا بمن يصلي العصر ، وذلك لأن الجوارح تبع للقلب ، فكأن مكان المشاحن خال عن أحد يقف فيه لشرود قلب المشاحن عن جاره فليتأمل . ومن الأسرار الظاهرة في ذلك ، أن اللّه تعالى أمرنا بإقامة الدين ولا يقوم إلا إذا كنا على قلب رجل واحد ، وفي القرآن العظيم : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا [ الآنفال : 46 ] . يعني قوتكم . ومن الأسرار أيضا أن الشيطان لا يدخل بين الصفوف ويوسوس لأصحابها إلا إذا رأى بينها خللا ، فمتى قرب من الصف احترق من أنفاسهم كما في حديث « يد اللّه مع الجماعة » . أي تأييده ، وهذا الأمر لا يكاد يسلم منه أحد من المحبين للدنيا ومناصبها ووظائفها ، فإن كل من سعى على وظيفة شخص صار عدوا له وإن لم يسع في الماضي ربما كان ناويا على السعي في المستقبل إذا رأى حاكما يجيبه إلى ذلك فتحس القلوب بذلك ، فيكون عدوا مستورا في الظاهر دون الباطن ، فلا ينبغي لأحد من هؤلاء أن يقف في صف من بينه وبينه عداوة ليطابق باطنه ظاهره ، ويخرج عن صفة النفاق المشار إليها بقوله تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] . اللهم إلا أن يقف بعد التوبة ناويا التقرب إليه تمييلا لخاطره ، وواللّه لو كان أئمة الدين على قلب رجل واحد ما دخل في الشريعة نقص قط ولا أطاق مخالفتهم أحد من الولاة ، وكان كل من خالفهم هلك بسرعة ، ولكنهم اختلفوا : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 42 ] . وأما غير أئمة الدين ممن يحب الدنيا فقد كفى اللّه الظلمة شرهم لأنهم لا يزالون