عبد الوهاب الشعراني
651
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد كاتبت مرة يهوديا وقلت في مكاتبتي : وأسأل اللّه تعالى أن يدخل المعلم الجنة من غير عذاب يسبق ؛ فأنكر عليّ بعض الفقهاء وأجاب عني فقيه آخر بأن ذلك في غاية الصواب ؛ لأنه لا يدخل الجنة حتى يسلم فطوينا له وقوع الإسلام قبل دخول الجنة ، لئلا تنفر نفسه من قولنا له حال محبته الكفر اللهم اجعل المعلم يسلم ، فإن قلنا له ذلك يؤذيه كما يؤذينا قوله هو لنا اللهم اجعل فلانا يموت يهوديا ، قال تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [ الأنعام : 108 ] . وقد حكى القشيري عن معروف الكرخي نحو ما قلناه لما مر عليه جماعة في زورق في دجلة بغداد ومعهم لهو وطرب وخمر يشربونه ، فقال الناس له ادع اللّه عليهم كما تجاهروا بمعاصي اللّه تعالى ، فقال معروف ابسطوا أيديكم وقولوا معي اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة ، فقال الناس إنما سألناك يا سيدي أن تدعو عليهم ، فقال كان من أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم إذا سئل أن يدعو على أحد عدل عن الدعاء عليه ودعا له ، ولا يفرح اللّه تعالى هؤلاء في الآخرة إلا إن تاب عليهم في الدنيا ، فانظر كيف طوى لهم رضي اللّه عنه في هذا الدعاء التوبة . قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا في شرح « رسالة القشيري » وهذا من حسن سياسة معروف رضي اللّه عنه فاعلم ذلك واللّه يتولى هداك . وروى مسلم وأبو داود والترمذي مرفوعا : « لا تبدؤوا اليهود والنّصارى بالسّلام ، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرّوه إلى أضيقه » . وروى الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة مرفوعا : « إذا سلّم عليكم أهل الكتاب قولوا وعليكم » . وسيأتي بسط ذلك في قسم الترغيب في السلام وقوله صلى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها : « السّام هو الموت » واللّه أعلم . [ النهي عن إطلاق البصر في دار أحد من خلل أو طاقة تشرف عليه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بإطلاق بصرنا في دار أحد من إخواننا ، من خلل بابه أو من طاقة تشرف عليه وفاء بحقه ولو لم يتأثر هو بذلك . وقد كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : لا تقصر في حق أخيك اعتمادا على مروءته ، وهذا الأمر قد كثرت الخيانة فيه من فقراء الأحمدية والبراهنية ونحوهم كفقراء الزوايا المقابل شباكها لطيقان بيوت الربوع ، فيجلس الفقير في الشباك بنية القراءة والنظر للناس ، فلا يزال به أبو مرة حتى يصير يسارق المرأة المتبهرجة بالنظر ، وهي في الطاقة ثم يصير يقصدها بالنظر المحقق ، ثم لا يزال إبليس يؤلف بينهما في الحرام حتى تميل المرأة إليه ، فربما طلع لها في غيبة زوجها فراقبهم الجيران ، وأعلموا جماعة الوالي فقبضوا