عبد الوهاب الشعراني
641
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
والمركب الهنيّ والمسكن الواسع » . زاد في رواية لابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « أربع من السّعادة : المرأة الصّالحة والجار الصّالح » الحديث . وروى الطبراني مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ ليدفع بالرّجل المسلم الصّالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء » ثمّ قرأ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] واللّه أعلم . [ النهي عن الإقامة عن الإخوان إذا زرناهم حتى نضيق عليهم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نقيم عند أخينا بحيث نضيق عليه إذا زرناه ، بل نرجع من عنده بسرعة ، فإن عزم علينا بالإقامة وأكد بتنا عنده عملا بقوله ثم استأذناه من بكرة النهار على الرجوع من عنده ، فإن عزم وأكد بتنا عنده كذلك لكن بشرط أن يغلب على ظننا الإخلاص وعدم التجمل ، فإن طرقنا منه رياء وحب تجمل فارقناه ولو قهرا عليه لا سيما إن كان مشهورا بالكرم في بلده والخلق يبيتون عنده كثيرا ، فإن هذا الزمان لا يحتمل أن أحدا يظهر فيه بالكرم في بلده ويكثر عليه الوارد ويصير يطعم الناس بطيبة نفس أبدا ، إنما هي تجوينات ، وآخر الأمر يتوارى عن الناس أو يرحل من تلك البلد . وهذا العهد يقع في خيانته كثير من الفقراء والفقهاء الساذجين فيزورون مريديهم وأصحابهم بعيالهم أيام النيل بمصر أو أيام الشتاء ويمكثون عند مريدهم وأصحابهم بعيالهم حتى يتمنى أنه لم يكن عزم عليهم لكثرة كلفة الطعام وضيق المكان الذي يبيتون فيه ، فرحم اللّه من زار وخفف وعمل بكلام الشارع في ذلك . فعلم أنه ينبغي للمتورع إذا سافر بلاد الريف مثلا أن لا يبيت في دار من اشتهر بالكرم في هذا الزمان رحمة به لا سيما إن كان من أصحاب من يكرهنا فإن طعام المتكرمين داء في جسد الآكل كطعام البخيل على حد سواء ، وإن كان ولا بد له أن يبيت عنده فليحمل عنه عليق بهائمه ويكافئه على طعامه ولو بأن يخلع له ثوبه ، وقد مضى أهل المروءات الذين كانوا يعاملون اللّه تعالى وبقي من يطلب العوض من الناس في كل معروف أسداه إليهم ، فاعرف زمانك يا أخي واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة ، والضّيافة ثلاثة أيّام فما كان بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحلّ له أن يثوي عنده حتّى يحرجه » . قال الترمذي : ومعنى لا يثوي عنده لا يقيم حتى يشق على صاحب المنزل . والحرج : هو الضيق . وقال الخطابي : معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره .