عبد الوهاب الشعراني
638
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
« كنّا جلوسا عند النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : لا يجالسنا اليوم قاطع رحم فقام فتى من الحلقة فأتى خالته وقد كان بينهما بعض الشّيء فاستغفر لها واستغفرت له ثمّ عاد إلى المجلس فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ الرّحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم » واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن التهاون بحقوق الجار ولو كان من أعدى أعدائنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بحق الجار ولو كان من أعدى عدو لنا ، بل نخالف نفوسنا ونقهرها على الإحسان إلى ذلك الجار العدو . واعلم أن مما يخفى على كثير من الناس تأدية حق الجار من الملائكة الكرام الكاتبين وكذلك حق اللّه عز وجل فإنه تعالى أقرب من الجار إلينا كما أشار إليه قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) [ الواقعة : 85 ] . وجماع تأدية حق اللّه تعالى فعل ما أمر واجتناب ما نهى وجماع حق الملائكة الكرام الكاتبين ، عدم عصيان اللّه تعالى وعدم الروائح الكريهة والكلام القبيح وغير ذلك من سائر أخلاق الشياطين ، فكما أن الشياطين تنفر من أخلاق الملائكة كذلك الملائكة تنفر من أخلاق الشياطين ، ومن تأكيد حق الجار عدم غيبته وافتقاده بالمرقة كل ليلة إذا طبخ طبيخا وفي جميع المواسم كالعيدين ، وأيام العشر ونحو ذلك ، ومن حقه أيضا كسوة أولاده كلما تعروا ، وشراء الفواكه والحلاوات لهم ونحو ذلك ، ومن حقه أيضا القيام له إذا مر علينا والاهتمام بكل ما يهمه من خوف على نفس أو مال أو ولد أو صاحب ونحو ذلك . وبالجملة فمن عمل ببعض الآداب جره ذلك إلى فعل البعض الآخر : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ النساء : 26 ] . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره » الحديث . وروى الإمام أحمد والطبراني ورجاله رجال ثقات : « لأن يزني الرّجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره » . وروى البخاري ومسلم وأحمد : « لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه » . زاد أحمد في رواية : « قالوا يا رسول اللّه وما بوائقه ؟ قال : شرّه » . وروى أبو يعلى والأصبهاني مرفوعا : « إنّ الرّجل لا يكون مؤمنا حتّى يأمن جاره بوائقه يبيت حين يبيت وهو آمن من شرّه ، وإنّ المؤمن الّذي نفسه في عناء والنّاس منه في راحة » . وروى مسلم مرفوعا : « والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى يحبّ لجاره أو لأخيه ما يحبّ لنفسه » .