عبد الوهاب الشعراني

635

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

مباحة ، فنفعلها لهما لأنها واجبة أو مندوبة ونجتنب كل ما يكرهونه كأنه حرام أو مكروه ، وذلك أن الشارع صلى اللّه عليه وسلم لم يذكر للعقوق ضابطا يرجع إليه ، وإنما ذكر أننا لا نخالفهم فيما يطلبونه منا . ويحتاج العامل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق حتى يعرفه مقام الوالدين عند اللّه تعالى . وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه لا يأكل مع والدته قط في إناء واحد خوفا أن يسبق بصرها إلى لحمة أو رطبة أو زبيبة أو عنبة أو تينة فيأكلها وهو لا يشعر . واعلم يا أخي أنه لا فرق في النهي عن مخالفة الوالدين والد الجسم أو والد القلب ، بل مخالفة والد القلب أشد لأنه ينقذه من النار أو مما يقرب من النار ، وأما والد الجسم فإنما كان سببا في إيجاده في أسفل المراتب ، فكأنه أوجده كالطينة أو كالحديدة المصدأة فلم يزل والد القلب يلطفه حتى صار كالبلور الأبيض أو كالذهب المصفى ، وأيضا قالوا : أبو الجسم كان سببا لمجاورته للحيوانات والبهائم ، وأبو الروح كان سببا في مجاورته لأهل حضرة اللّه من الملائكة والأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا يقدر مريد يجازي شيخه على تعليمه أدبا واحدا في الطريق ولو خدمه ليلا ونهارا ، إلى أن يموت . فاسلك يا أخي على يد شيخ لتعرف مقدار حق الوالدين وتجتنب عقوقهم واللّه يتولى هداك . وروى البخاري وغيره مرفوعا : « إنّ اللّه حرّم عليكم عقوق الأمّهات ومنعا وهات » الحديث . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر ثلاثا ؟ فقالوا بلى يا رسول اللّه ، قال : الإشراك باللّه وعقوق الوالدين » الحديث . وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « كلّ الذّنوب يؤخّر اللّه منها ما شاء إلى يوم القيامة إلّا عقوق الوالدين فإنّ اللّه يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات » . قلت : فعلم أنه لا ينبغي التهاون بشيء من حقوق الوالدين أبدا لاحتمال أن يؤاخذ اللّه تعالى به الولد كما روى الأصبهاني وغيره ، وقال الأصبهاني : حدث به أبو العباس الأصم إملاء بنيسابور بمشهد من الحفاظ فلم ينكروه عن العوام بن حوشب قال : نزلت مرة حيا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة ، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج منه رجل رأسه رأس حمار ، وجسده جسد إنسان ، فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر فإذا عجوز تغزل شعرا أو صوفا ، فقالت امرأة : ترى تلك العجوز فقلت ما لها ؟