عبد الوهاب الشعراني
633
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
على الشيخ وجماعته وكانوا أربعين رجلا ، فأمر السلطان الوالي بتوسيطهم فوسطهم في الكوم ، فبينما الفقراء بالليل وإذا بكلب يأكل من الموسطين ، فزحف الشيخ وأخذ جريدة وطرد الكلب عن جماعته ، فأخبر الوالي بذلك فجاء يعنف الشيخ ، فقال له الشيخ أنت وسطتنا بسيف السلطان ونحن نوسطك بسيف القدرة ، فأشار بالجريدة فوسط الوالي فهم الآن كلهم مدفونون في الكوم الشيخ والوالي والفقراء رضي اللّه عنهم . وروى الإمام أحمد والطبراني مرفوعا : « لا يشهد أحدكم قتيلا لعلّه أن يكون مظلوما فيصيبه السّخط » . وروى الطبراني والبيهقي مرفوعا : « لا يقفنّ أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإنّ اللّعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ولا يقفنّ أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإنّ اللّعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه » . قلت وخرج بقوله ظلما من قتل بسيف الشرع أو جلد في زنا لقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النور : 2 ] واللّه تعالى أعلم . وروى الطبراني مرفوعا بإسناد حسن : « من جرّد ظهر مسلم بغير حقّ لقي اللّه وهو عليه غضبان » . وفي رواية له أيضا مرفوعا : « ظهر المؤمن حمى إلّا بحقّه » واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن ارتكاب صغائر الذنوب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بارتكاب شيء من صغائر الذنوب فضلا عن كبائرها ، ولا بارتكاب شيء من مكروهاتها حتى خلاف الأولى منها ، ولا نصرّ على ذنب بل نتوب منه على الفور ، وذلك لأن ارتكاب المعاصي وما قاربها مع الإصرار يظلم به القلب حتى يصير لا يحن إلى فعل شيء فيه خير ، وتتفاوت الناس في مقدار ظلمة القلب بحسب مقاماتهم ، فربما أن بعض الناس لا يحس بظلمة القلب إلا عند ارتكاب الكبائر دون الصغائر ، وربما إن بعضهم لا يحس بظلمة القلب إلا عند ارتكاب الصغائر دون المكروهات ، وربما أن بعضهم لا يحس بظلمة القلب إلا عند ارتكاب المكروهات دون خلاف الأولى ؛ ولكل مقام رجال ، فكلما صفا القلب كلما ظهر فيه الظلمة وأدركها بصر صاحبها كالحبر على الورق ، وكلما تكدر القلب خفي فيه الظلمة ولم يدركها بصر صاحبها كالحبر على الفحم . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ ناصح يسد عليه جميع المخارس التي يدخل منها الشيطان ويشغله بالطاعات المتوالية حتى تتراكم عليه الأنوار ، ويخلص من سائر الذنوب ، ويدخل حضرة الإحسان ، فهناك لا يتهاون بذنب ولو خلاف الأولى فضلا عن المكروهات فضلا عن الصغائر فضلا عن الكبائر ، فإن أهل كل حضرة يساعدون بعضهم بعضا بمشاهدة بعضهم أحوال بعض ، ومن هنا شرطوا في إتمام التوبة