عبد الوهاب الشعراني
620
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الحساب يوم القيامة ، ولا يخرج عن حكم هذه المناقشة إلا أفراد من الناس ، والجم الغفير كلهم يناقشون ويحصي اللّه تعالى عليهم مثاقيل الذر لعدم مناقشتهم نفوسهم في دار الدنيا ، وتركها هملا كالبهائم السارحة ، بخلاف الأفراد الذين ناقشوا نفوسهم في حقوق اللّه تعالى وحقوق عباده لا يناقشون في الآخرة لأنهم قضوا ما عليهم في الدنيا ، وإن وقعت مناقشة فإنما هي في أمور يسيرة خفيت عليهم ففرطوا فيها واللّه أعلم . واعلم أن من أشد الناس مناقشة ومشاححة لخصمه يوم القيامة العلماء الذين لا يعملون بعلمهم ، فإياك أن تؤذي أحدا منهم ، فإنك لا تقدر على أن ترضيه في الدار الآخرة أبدا لكثرة إفلاسه وفقره من الأعمال الصالحة ، فإن المسامحة معدودة من صدقات العبد والصدقة لا تكون إلا على ظهر غنى ، ومن كان فقيرا شح ضرورة ، ولو أنه أعطى أحدا شيئا تبعته نفسه قهرا عليه ؛ فإياك وغيبة كل فاسق في دار الدنيا إلا بشرطه بل قال بعضهم في معنى حديث « لا غيبة في فاسق » أي احفظوا لسانكم في حقه ولا تغتابوه فجعل لفظة « لا » ناهية ا ه . فإياك يا أخي أن تستغيب فاسقا أو تؤذيه أو تشق عليه أو تستعمل عبدك ، أو أمتك في أمر يعجزان عنه ، أو تحمل دابتك فوق طاقتها ، أو تسم شيئا من الحيوانات بالنار إلا بأمر شرعي ، كوسم إبل الصدقة أو غنمها أو كيّ الحيوان لمرض ونحو ذلك ، وقد نصحتك ، وو اللّه إني لأعرف من بعض الحساد الذين تمكن فيهم البغضاء والحسد أنه لو عرض عليه بعض أعدائه يوم القيامة جميع أعماله الصالحة ليأخذوا ثوابها في نظير غيبة واحدة فيه ما رضي بها فكيف حال من لا تحصى غيبته في الناس ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وروى أبو داود وغيره مرفوعا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ » . وروى الحاكم وغيره : « أنّ رجلا قال يا رسول اللّه إنّي لأرحم الشّاة أن أذبحها فقال له : إن رحمتها رحمك اللّه » . يعني إذا ذبحتها فاذبحها وأنت راحم لها ، وليس المراد أنه يترك ذبحها أصلا . وروى أبو داود وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « اتّقوا اللّه في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة واذبحوها صالحة » . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « أنّ رجلا دنا من بئر فنزل وشرب منها وعلى البئر كلب يلهث ، فرحمه فنزع أحد خفّيه فسقاه فشكر اللّه له ذلك فأدخله الجنّة » . وروى مسلم وأبو داود وغيرهما مرفوعا : « من لطم مملوكا له أو ضربه فكفّارته أن يعتقه » .