عبد الوهاب الشعراني
613
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
حاجته وفقره » واللّه تعالى أعلم . [ النهي من إقرار أحد من الولاة أن لا يختار تحت يده من العمال وغيرهم إلا خيرا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نقر أحدا من الولاة الذين صحبناهم أن يولي على المسلمين من تحت يده إلا من يراه خيرهم بعد أن يجتهد ويبذل وسعه في ذلك ، وهذا العهد قلّ من يسمع له من المكاسين ونحوهم من جباة الظلم ، لأنه يعرف أنه إذا ولى شخصا يخاف على دينه ضيع ذلك المال الذي يجبونه من تلك الجهة . وقد سألني مرة شخص من أعوان المكاسين أني أطيب عليه خاطر كبير المكس ، فقال أطيب عليه ولكن بشرط التوبة ، قلت وما هي ؟ قال أن لا يفرج على أحد عليه مكس فقلت أخرجا من عندي فتوبا في الكنيسة . فيحتاج العالم أو الصالح الذي يأمر المكاسين ونحوهم بالمعروف إلى سياسة تامة في لين الكلام ، وإلا لم يسمعوا له . وكان سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه يوصي أصحاب هذه الجهات ويأمرهم بالتخفيف عن الناس جهدهم ، وكان يقول لأصحابه من التجار إذا جاءكم جباة الظلم يطلبون عادتهم بإذن السلطان فأعطوها طاعة للسلطان ، وإلا حصل لكم من الضرر أشد مما بخلتم به عليهم ، وكان يقول للتجار الذين يجيئون من الشام إلى مصر : أعطوا الظلمة عادتهم في غزة وفي قطية ، فإن ذلك غفارة ليس من المكس في شيء ، فإن السلطان لو تزلزل أمره ما قدر أحد منكم يخرج بتجارة في البراري من الشام إلى مصر أبدا ، وعلى كلام الشيخ فليس من المكس إلا الذي يؤخذ من قوم جاؤوا إلى مصر في ظل سيوفهم من غير حاجة إلى مساعدة السلطان أو الذي يأخذه المحتسب من السوقة وهم آمنون في بيوتهم وحوانيتهم ، هكذا قال رضي اللّه عنه ، فليتأمل . وكان إذا تولى مكاس يأمره بلبس الجبة والفروة الكباشي في الشتاء والرضا بالرغيف ولو كان حافا وركوب الحمار والرضا بجارية تخدمه من غير زوجة ، ويأمره باجتناب لبس المحررات والتبسط في الشهوات ، ونكاح النساء الجميلات ، والسكنى في القاعات المرخمات ، ويقول له إن أردت تعمل مثل من كان قبلك من المتهورين في دينهم ، وتتبسط في المأكل والملبس وغير ذلك ، لم يكفك مال الجهات كلها وهذا كله من باب ظلم دون ظلم فافهم ، وإياك والاعتراض على الشيخ واللّه يتولى هداك . وروى الحاكم مرفوعا وقال صحيح الإسناد : « من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى للّه منه فقد خان اللّه ورسوله والمؤمنين » . وفي رواية أخرى للحاكم مرفوعا وقال صحيح الإسناد : « من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة اللّه تعالى لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا حتّى يدخل جهنّم » . رواه أحمد باختصار واللّه تعالى أعلم .