عبد الوهاب الشعراني

610

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« يا أبا ذرّ إنّي أراك ضعيفا وإنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي ، لا تتأمرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم » . وروى ابن حبان في « صحيحه » والحاكم مرفوعا : « أنّ عبد الرّحمن بن سمرة كان يقول قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عبد الرّحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنّك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها » الحديث . وروى أبو داود والترمذي مرفوعا : « من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ، ومن أكره عليه أنزل اللّه عليه ملكا يسدّده » . وفي رواية للترمذي : « من سأل القضاء وكل إلى نفسه ، ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدّده » . وتقدم عدة أحاديث في باب الزكاة تتعلق بالعمال إذا جاروا فراجعها إن شئت ، وكذلك بسطنا الكلام في عهود الولاة في كتاب « البحر المورود » فراجعه إن شئت واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن أن نمكن أحدا ممن صحبناه أن يشق على رعيته : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نمكن أحدا ممن صحبناه من الولاة في هذا الزمان وانقاد لنا أن يشق على رعيته ، أو يجور عليهم أو يغشهم أو يحتجب عنهم ، أو يغلق بابه دون حاجتهم ، فإن الدين النصيحة للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وإذا عدل الوالي فقد قام بحق دين اللّه ، وإذا جار فقد أخل بحقه ، وهذا العهد خاص فعله بأكابر العلماء والصالحين المتعففين عما بأيدي الظلمة والولاة الذين لهم عند الولاة لا بر ولا حسنة ولا جوالي ولا مسموح ولا مرتب على بساط السلطان ونحو ذلك ، لأن هؤلاء ربما سمع لهم الولاة وأما من يأكل من أموالهم ويقبل صدقاتهم وبرهم ولو بلا سؤال فلسانه أخرس وعيناه عمياء وأذناه صماء قهرا عليه لا يقدر على نفسه أن يكلمهم كلمة ، وقد قل العالم والصالح العفيف عن مثل ما ذكرناه وصار هذا النوع في العلماء والصالحين أقل من القليل وربما نهوا أحدا من الولاة أو أمروه بمعروف فقام لهم من له عند الولاة علاقة فصار خصما لهم حتى كأن الذي أمر بالمعروف هو الذي فعل المنكر ، ومن شك في قولي هذا فليجرب فإن أهل الشر قد غلبوا على أهل الخير : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 42 ] . وإذا غلب أهل اللّه عن إقامة الدين فلا لوم عليهم بل أقول إنه لو أراد الأئمة الآن أن يعدلوا في رعاياهم لا يقدرون لعدم استحقاق رعيتهم الرحمة بهم ، فعلة الظلم والجور مركبة من الرعية والظلمة ، وما بقي يرجى لهم تنفيس حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه