عبد الوهاب الشعراني

61

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

قبورا » . قلت : هذا الحديث يشتمل على معنيين أن يكون المراد ترك النوافل في البيت أصلا فتصير كالقبور : أي لا صلاة فيها ، وأن يكون المراد به النهي عن جعل قبر الإنسان في بيته إذا مات لذهاب الاعتناء بالقبر ، إذا كان في البيت لكثرة مشاهدته له ليلا ونهارا ، واللّه أعلم . وفي رواية لمسلم وابن خزيمة في « صحيحه » وغيرهما مرفوعا : « إذا قضى أحدكم الصّلاة بمسجد فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإنّ اللّه تعالى جاعل من صلاته في بيته خيرا » . وروى الإمام أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في « صحيحيهما » مرفوعا : « لأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد إلّا أن تكون صلاة مكتوبة » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « صلاة الرّجل في بيته نور فنوّروا بيوتكم » . وروى النسائي وابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة » . وروى البيهقي بإسناد جيد إن شاء اللّه تعالى مرفوعا : « فضل صلاة الرّجل في بيته على صلاته حيث يراه النّاس كفضل الفريضة على التّطوّع » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم » واللّه تعالى أعلم . [ حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة من المعاصي : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) إذا علمنا حفظ جوارحنا الظاهرة والباطنة من خطور المعاصي على قلوبنا أن نمكث بعد الفريضة ننتظر الصلاة التي بعدها ولا نخرج من المسجد حتى نصلي الصلاة الأخرى ، فإن لم نعلم من أنفسنا القدرة على الحفظ مما ذكرناه فمن الأدب أن نصلي الفريضة ونخرج على الفور ، وذلك لأن الجالس في المسجد جالس بين يدي اللّه عز وجل ، إما كشفا ويقينا كالكمل من العارفين ، وإما ظنا وإيمانا ككل المؤمنين ، كالأعمى يعرف أن زيدا جليسه بكلامه معه ولا يراه ، فما جاء عن الشارع في فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد هو في حق من كان محفوظا من الخواطر الرديئة لا سيما من كان في الحرم المكي أو المدني كما تقدم في هذه العهود ، فإن من لا يحفظ خواطره ولا جوارحه من سوء الأدب مع الملوك فالأولى له البعد عن حضرتهم الخاصة ، فاعلم ذلك ولا تغبط من رأيته ينتظر الصلاة بعد الصلاة إلا إن أريته محفوظا مما ذكرناه على ذلك الذي قررناه ينزل قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ