عبد الوهاب الشعراني
6
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
به ، لكنه متردد بين الإيجاب والندب ا ه . وقد قسمت الكتاب على قسمين : القسم الأول : في بيان ما أخل به الناس من المأمورات . القسم الثاني : في بيان ما أخل به الناس من اجتناب المنهيات . وإنما بدأت في أول الكتاب بقسم المأمورات وأخرت المنهيات وإن كان الواقعون في المنهيات أكثر عملا بالأصل من حيث إن الطاعات أصلية والمعاصي عارضة ، وأن كل مؤمن يود أن يطيع اللّه تعالى ولا يعصي أمره أبدا ، ولكن للّه تعالى في تقديره المعاصي على عبده حكم وأسرار لا تخفى على من في قلبه نور . ثم اعلم يا أخي أن طريق العمل بالكتاب والسنة قد توعرت في هذا الزمان ، وعز سالكها لأمور عرضت في الطريق يطول شرحها ، حتى صار الإنسان يرى الأخلاق المحمدية فلا يقدر على الوصول إلى التخلق بشيء منها ، فلذلك كنت أقول في غالب عهود الكتاب وهذا العهد يحتاج من يعمل به إلى شيخ يسلك به الطريق ، ويزيل من طريقه الموانع التي تمنعه عن الوصول إلى التخلق به أو نحو ذلك من العبارات إشارة إلى أنه لا يلزم من معرفة الفقيه بالأحكام الوصول إلى العمل بها . بل يحتاج مع ذلك إلى شيخ يريه معالم الطريق كما وقع للإمام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيرهما ، وإنما شيدت كل عهد منه بالأحاديث الشريفة ، إعلاما لك يا أخي بأن عهود الكتاب مأخوذة من الكتاب والسنة نصا واستنباطا ، لئلا يطعن طاعن فيها وسدا لباب الدس من الحسدة في هذا الكتاب كما وقع لي ذلك في كتاب [ « البحر المورود في المواثيق والعهود » ] ، الذي جمعت فيه عهود المشايخ التي أخذوها علي ، فإن بعض الحسدة لما رأى إقبال الناس على تلك العهود وعرف عجزه عن الوفاء بها مع ادعائه المشيخة ، عمل حيلة واستعار من بعض المغفلين من أصحابي نسخة وأوهمه شدة الاعتقاد في جنابي ، وكتب منها عدة عهود ودس فيها أمورا مخالفة لظاهر الكتاب والسنة وأشاعها عني في مصر ، فحصل بذلك فتنة عظيمة في جامع الأزهر وغيره ، وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني ، والشيخ شهاب الدين الرملي وجماعة ، وأجابوا عني بتقدير صحة ذلك مني وما سكنت الفتنة حتى أرسلت للعلماء نسختي التي عليها خطوطهم ففتشوها فلم يجدوا فيها شيئا مما دسه الحسدة وأشاعوه عني ، ومن تلك الواقعة ما ألفت كتابا إلا وتعرضت فيه لما دسه الحسدة في كتبي ، وتبرأت فيه من كل شيء يخالف الكتاب والسنة ، طلبا لإزالة ما في نفوس بعض الناس ، لئلا يحصل لهم الإثم بذلك . فهذا كان سبب تشييدي لعهود هذا الكتاب بالأحاديث والآثار ، فإن الحاسد لو دس فيه شيئا يخالف الأحاديث التي أذكرها لا يروج له أثر عند الناس ، وكيف يستدل مؤلف لكلامه بالأحاديث التي يخالفه منطوقها أو مفهومها ؟