عبد الوهاب الشعراني

587

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فيحتاج من يريد العمل به إلى سلوك الطريق على يد شيخ يعلمه مراتب العبادات ، وما هو الأولى منها ليقدمه على غير الأولى ، لأن عمر الإنسان أعز من الدنيا وما فيها وهو قصير ، فوجب أن يبدأ العبد بالأهم فالأهم ، ليكون الأعز فالأعز ، ولولا أن من شأن العبد الملل لما كان له أن يشتغل بغير الأعز فيه أبدا ، فلما ركبه اللّه تعالى على الملل جعل له رتبة أخرى مفضولة لينتقل إليها إذا مل ، فإذا مل منها كذلك ينتقل إلى المباح وهذا كله من رحمة اللّه بعباده . وقد قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ، مع أن الثلث الأخير من الليل كان يصرفه في التهجد دائما ، فلولا أن العبد يمل من الاشتغال بالعلم لكان جعل الثلث الأخير كذلك للعلم . وحاصل الأمر أن تقديم الكسب واجب مقدم على الاشتغال بالعلم وغيره بأي طريق كان الكسب حتى بالسؤال للناس بشرطه ، فإذا حصل الإنسان قوته اجتمع فكره . وقد كان الإمام الشافعي رحمه اللّه يقول : لا تشاور من ليس في بيته دقيق أي لأنه مشتت البال ، فعلم أن حياة الأبدان مقدمة على حياة الأرواح ، والقوت بالعلم لأن حياة الروح فرع عن حياة الجسم ، من حيث إنه محل لظهور أفعال التكليف ، وإقامة شعار الدين ، وهذا اللوم في حق من يضيع من يعول مع اشتغاله بخير آخر فكيف بمن يضيعهم لاشتغاله باللهو واللعب ونحو ذلك : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى أبو داود والنسائي مرفوعا : « كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت » . وفي رواية للنسائي « من يعول » . وروى ابن حبان في « صحيحه » : « إنّ اللّه تعالى سائل كلّ راع عمّا استرعاه حفظه أم ضيّعه حتّى يسأل الرّجل عن أهل بيته » واللّه أعلم . [ النهي عن تسمية أولادنا بالأسماء التي نهانا عنها الشارع وبين أن اللّه يكرهها : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسمي أولادنا وخدامنا بالأسماء التي نهى عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأخبر أن اللّه تعالى يكرهها ، وإن وقع أننا سمينا أحدا بها غيرناها اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا العهد يخل بالعمل به أكثر الناس وما نهى الشارع عنه إلا لإثم يترتب عليه ، فمن أدبنا معه صلى اللّه عليه وسلم أن نجتنب ما نهانا عنه سواء اطلعنا على علته أم لم نطلع إذ هو معصوم من أن يغش أمته : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقد روى أبو داود والنسائي : « أقبح الأسماء عند اللّه حرب ومرّة » . وروى مسلم وغيره عن جندب رضي اللّه عنه قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسمّ غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنّك تقول أثمّ هو ؟ فيقال لا » .