عبد الوهاب الشعراني
57
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
فإن أتى المسجد وقد صلّوا فأتمّ الصّلاة كان كذلك » واللّه تعالى أعلم . [ الصلاة مع الجماعة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) أن نصلي مع الجماعة العظمى دون الصغرى ولا نقنع بالصغرى ونترك الكبرى إلا لعذر شرعي ، ومتى خالفنا ذلك استغفرنا اللّه تعالى من تركنا فعل ما هو الأحب إليه ، فعلم أنه ينبغي أن يكون الباعث لنا على صلاة الجماعة محبة الحق تعالى لها لا طلب الثواب ، فإن ذلك علة تقدح عندنا في الإخلاص ، وما ساق اللّه تعالى أحدا من عباده إلى خير بالثواب الأخروي إلا لعلمه تعالى بأن ذلك ليس لأحد من أهل الإخلاص ، ولكونه يعبد اللّه على علة وحرف ، ولو أنه وصل إلى مقام الإخلاص لم يحتج إلى ذكر ثواب ، بل كان يبادر لفعل ذلك امتثالا لأمر اللّه تعالى ، ولا يتوقف على معرفة الثواب في ذلك ، هذا كله حال السلوك فإذا تم سيره ورجع كشف له عن جميع ما فيه من الأجزاء ، ووجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه ، وهناك يرى فيه جزءا يطلب الثواب على عبادته وإن وصل إلى أعلى مراتب السلوك . ولما كان هذا الجزء يضعف حتى لا يكاد يظهر له عين ، ربما ظن بعضهم أنه صار يعبد اللّه خالصا إخلاصا كليا لخفاء ذلك الجزء عليه ، والحال أنه باق ولكن عسكر جيش العبودية قوي عليه ، فافهم ، فإن هذا من لباب المعرفة . وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : « ومن أظلم ممّن عبدني لجنّة أو نار لو لم أخلق جنّة ولا نارا ألم أكن أهلا لأن أطاع ؟ » ا ه . فلكل مقام رجال . واعلم أنه قد يكون للفقراء أعذار باطنية فربما تخلفوا عن الخروج لصلاة الجماعة فلا ينبغي لأحد المبادرة إلى الإنكار عليهم إلا بعد أن يتعرف ذلك العذر منهم ، فربما غلب عليهم حال قاهر منعهم عن الخروج ، والمنهي عنه إنما هو تخلف العبد عن صلاة الجماعة لشغل دنيوي أو مفضول مع قدرته على الخروج ، وهؤلاء لو ضرب أحدهم بسيف ما قدر على الخروج بل يرون ضرب السيف أهون على أحدهم من خروجه من بيته أو خلوته عند غلبة الحال عليه ، ولا يعرف ذلك إلا من ذاقه . وقد كان سيدي الشيخ مدين لا يخرج من بيته إلا لصلاة العصر فقط مع أن المسجد على باب داره ، وكذلك سيدي محمد الغمري ، وكذلك سيدي علي المرصفي فقيل لسيدي مدين في ذلك ، فقال ربما يكون الفقير في بيته في حال جمعية قلب مع اللّه تعالى أقوى من جمعيته معه إذا خرج ا ه . فسلم يا أخي للقوم ، وفي القرآن العظيم : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ الحجرات : 5 ] . مع كون الصحابة إنما نادوه طلبا لارشادهم في أمور دينهم ، فلولا أنه صلى اللّه عليه وسلم كان في حال جمعية خاصة مع اللّه تعالى لكان قدّم الخروج لتعليم الناس أمور دينهم ، وكذلك القول في كمل ورثة من بعده لا ينبغي لأحد أن ينكر عليهم إذا لم يخرجوا للصلاة إلا إذا علم رجحان خروجهم على مكثهم في بيتهم ، فإن هناك يتعين عليهم الخروج على القول .