عبد الوهاب الشعراني
567
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
في وقت آخر في الدنيا أو في الآخرة ، فالدعاء مجاب بقوله لبيك على الدوام ، وكذلك قضاء الحاجة مجاب على الدوام ، وما ورد أحد الحضرة الإلهية ورجع بلا قضاء حاجة قط لأنها حضرة أكرم الأكرمين . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ يعلمه آداب الدعاء والتفويض للّه تعالى فيه ، كأن يقول اللهم أعطني كذا وادفع عني كذا إن كان لي في ذلك خيرة ومصلحة وسبق ذلك في علمك ، وكلامنا في غير المضطر أما المضطر فيجاب لوقته ، ثم إن العبد الذي لم يضطر إذا فوض إلى اللّه تعالى كذلك فعل معه خير الأمرين ، فإن أعطاه كان خيرا وإن منعه كان خيرا : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول دعوت فلم يستجب لي » . وفي رواية لمسلم والترمذي : « لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، ما لم يستعجل قيل يا رسول اللّه ما الاستعجال ؟ قال : يقول قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويترك الدّعاء » . ومعنى يستحسر أي يمل ويعيا فيترك الدعاء . فعلم أن المراد بعدم الإجابة عدم السرعة فيها وإلا فالإجابة حاصلة في الدنيا والآخرة ، واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن رفع البصر إلى السماء حال دعائنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نرفع بصرنا إلى السماء حال دعائنا بل نغمض بصرنا وننظر إلى الأرض ، وكذلك لا ندعو وقلبنا غافل فإن في ذلك من سوء الأدب ما لا يخفى لاتباع الشريعة واتباع العرف في ذلك ، وإلا فالجهات كلها في حق اللّه واحدة ، وإنما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقلب وجهه في السماء لأنها طريق لنزول الوحي المعهود ، كما أنه قد تلفت في صلاته ينظر إلى العين الذي أرسله لينظر له خبر القوم فهو التفات إلى مخلوق ونظر إلى مخلوق من جبريل وغيره فافهم فإن اللّه تعالى مدحه قبل ذلك بقوله عند ليلة الإسراء : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] يعني ما جاوز حضرة الخطاب . وقد سمعت سيدي عليا الخواص يقول في حديث كانت خطيئة أخي داود النظر يعني النظر إلى غير اللّه بغير إذن من اللّه ا ه . وأما رفع اليدين إلى السماء فإنهما آلة يقبل بهما صدقات الحق تعالى التي تصدق الحق بها إليه ويضمهما إلى بعضهما كالمغترف بهما ماء كما قاله الشيخ أحمد الزائد ، واللّه أعلم . وروى مسلم والنسائي وغيرهما مرفوعا : « لينتهينّ أقوام عن رفعهم أبصارهم عند