عبد الوهاب الشعراني
558
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وأيضا حال العبد في حال فعله برخصة الشارع يسمى متبعا ، وفي التشديد على نفسه يسمى مبتدعا ، ومعلوم أن الاتباع أولى من الابتداع ولو استحسن ، واللّه أعلم . وروى مسلم وغيره : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان فصام وصام النّاس ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر النّاس إليه ثمّ شرب ، فقيل له بعد ذلك إنّ بعض النّاس قد صام ؟ فقال أولئك العصاة أولئك العصاة » . وفي رواية لمسلم : « فقيل له : إنّ النّاس قد شقّ عليهم الصّيام ، وإنّما ينظرون فيما تفعل ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب » . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان في سفر فرأى رجلا قد اجتمع عليه النّاس وقد ظلّل عليه ، فقال ما له ؟ فقالوا صائم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر » . زاد في رواية : « وعليكم برخصة اللّه الّتي رخّص لكم فاقبلوها » . وروى ابن ماجة والنسائي مرفوعا : « صائم رمضان في السّفر كالمفطر في الحضر » . ورواه بعضهم موقوفا على ابن عمر . وروى الإمام أحمد والطبراني مرفوعا : « من لم يقبل رخصة اللّه عزّ وجلّ كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة » . لكن قال البخاري كأنه حديث منكر . وروى مسلم عن أنس قال : « كنّا مع النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فنزلنا منزلا في يوم حارّ أكثرنا ظلّا صاحب الكساء ، فمنّا من يتّقي الشّمس بيده فسقط الصّوّام ، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركبان فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذهب المفطرون اليوم بالأجر » . وكان عمر بن عبد العزيز وقتادة ومجاهد إذا سئلوا عن الصوم والإفطار في السفر أيهما أفضل ؟ يقولون أفضلهما أيسرهما . واختار هذا القول أبو بكر بن المنذر ، وقال الحافظ عبد العظيم وغيره وهو حسن واللّه تعالى أعلم . [ عدم التهاون في الوقوع فيما نهانا الشارع عنه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون قط في الوقوع فيما نهانا الشارع عنه ، ولو رأينا أكابر العلماء يقعون فيه ، وذلك كالغيبة والنميمة والحسد والكبر والغل والحقد وسوء الظن بالمسلمين ونحو ذلك في رمضان وغيره ، بل نراعي ترك وقوع ذلك منا في رمضان أشد من مراعاتنا له في غيره عملا بتأكيد الشارع صلى اللّه عليه وسلم علينا في ترك ذلك في رمضان ، ولا يجوز لنا الاغترار بمن رأيناه يقع في ذلك من أكابر الناس ، لأن الاغترار لا يكون إلا فيما لم يرد لنا فيه عن الشارع ، أما ما ورد فيه ذلك فاغترارنا بمن