عبد الوهاب الشعراني

547

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وروى ابن ماجة وغيره بإسناد حسن عن أم سلمة قالت : كان الناس في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا صلوا لم يعد بصر أحدهم موضع سجوده ، فلما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا لا يعدو بصر أحدهم موضع سجوده ، فلما توفي أبو بكر كان لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، ولما كانت الفتنة زمن عثمان رضي اللّه عنه أكثر الناس يمينا وشمالا : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ آل عمران : 31 ] . [ النهي عن التكلم والإمام يخطب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتكلم والإمام يخطب إلا لضرورة أدبا مع نائب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن للنواب من الأدب ما لمستنيبهم وإن تفاوت المقام ، ثم إن ارتفع مشهدنا إلى سماع ذلك من الحضرات الإلهية كان لنا أدب آخر فوق ذلك ، ومن نظر بعين الكشف وجد جميع الوعاظ رسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه ، فلا ينبغي له أن يجعل كلام الخطيب في حق غيره فيفوته ثمرة الحضور لسماع الواعظ كما عليه غالب الناس ، فيأخذ كل كلام وعظه به الخطيب في حق غيره وينسى نفسه ، وربما قال : أفلح الواعظ اليوم في الحط على الفسقة والظلمة الكلاب المنافقين ولا يأخذ من الخطيب كلمة في حق نفسه ، هذا إن صغى إليه فإن اشتغل بحديث الدنيا أو الغيبة أو النميمة فقد فسق وأساء الأدب مع اللّه ورسوله بتعديه حدود اللّه ، والواعظ يعظه في حضرة اللّه . فيحتاج من يريد أن يكون من أهل الإنصات إلى شيخ يسلكه ويبين له عيوبه حتى يصير يأخذ كل كلام سمعه من الواعظ في حق نفسه فلا سبيل له إلا الإنصات ، واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت » . ومعنى لغوت : خبت من الأجر ، وقيل معناه أخطأت ، وقيل بطلت فضيلة جمعتك ، وقيل صارت جمعتك ظهرا ، وقيل غير ذلك . وروى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما مرفوعا : « من تكلّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والّذي يقول له أنصت ليس له جمعة » . فالحيلة في نهيه أن يشير له أنصت من غير لفظ . وروى أبو داود وغيره مرفوعا : « من لغا وتخطّى رقاب النّاس يوم الجمعة كانت ظهرا » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ الترهيب من أن نقر أحدا على تأخره عن الجمعة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نقر أحدا من المسلمين على تأخره عن حضور الجمعة حتى يصعد الإمام بل نأمره أن يحضر قبل صعوده وذلك لما روى الطبراني والأصبهاني مرفوعا : « احضروا الجمعة وادنوا من الإمام ، فإنّ الرّجل ليكون من