عبد الوهاب الشعراني
525
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ولكن لا يظهر عليه شيء قط إلا مع ميل سبق منه ولولا ميله ما ظهر ، فقلت له فيحتاج الإنسان إلى ميزان دقيق ، فقال نعم وهو كذلك فربما ظهر كمال العبد بميل خفي لا يشعر به فليفتش العبد نفسه انتهى . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : الكامل الكمل من كان على عبادة الملائكة ، ومع ذلك لم يظهر على ظاهره منه شيء فهذا هو الذي يخرج من الدنيا وأجره موفر لا ينقص منه ذرة ، ومن هنا ترك بعض الأكابر العذبة والسبحة وتربية الشعر ولبس الصوف والجلوس على السجادة ودخلوا في غمار العامة فلا يكادون يتميزون عن العامة بهيئة ، فإن هذه الأمور قد صارت علما على أن صاحبها من أهل الطريق ، وأما من لبس الطيلسان وأرخى العذبة ولبس الصوف وجلس على سجادة بلا نية صالحة فكأن كل شعرة منه تقول للناس أنا من الصالحين ، ومحك ذلك أنه إذا ترك تلك اللبسة ولبس ثياب العوام على الدوام يجد في نفسه استيحاشا ، لأن هيئة المشيخة فارقته وما هو شيخ إلا بها ، فصار كالحداد بلا فحم . قال : وقد طلبت مرة أن أعمل لي شملة حمراء كالأحمدية فشاورت سيدي عليا الخواص ، فقال إن قدرت تقوم بواجبها فالبسها ، فقلت له وما واجبها ؟ قال أن تمشي على قدم سيدي أحمد البدوي ، قال : فقلت له لا أطيق فقال ، فاترك ذلك ثم قال وعزة ربي إني جعلت في زيق جبتي شرموطا أحمر محبة في سيدي أحمد وأنا مستحي من اللّه تعالى في لبسه ، وكذلك القول في لباس كل خرقة من الخرق ، إن لم يمش الإنسان على قدم أصحابها وإلا فليتركها ، وأين قدم الشيخ عبد القادر الجيلي وسيدي أحمد الرفاعي ، وسيدي إبراهيم الدسوقي مثلا من أقدام من يلبس خرقتهم اليوم . وقد رأيت خليفة سيدي أحمد البدوي وهو لابس عمامة سيدي أحمد ، وبشت سيدي عبد العال ، وجهه مصفرا ، كالذي له شهر ضعيف ، فقلت له ما سبب هذا الاصفرار ؟ فقال من هيبة صاحب العمامة والبشت ، ثم قال واللّه إني لما ألبسهما أحس بأن عظمي ولحمي ذائب انتهى . وقد رأى سيدي أحمد الرفاعي يوما مريدا لبس جبة بيضاء ، فقال يا ولدي لقد لبست لبسة الأنبياء وتحليت بحلية الأصفياء ، فإن لم تسلك طريقهم وإلا فانزع لبستهم ، فاعلم ذلك . وكان على هذا القدم من الأشياخ الذين أدركناهم سيدي الشيخ أبو العباس الغمري وسيدي إبراهيم الشاذلي ، وسيدي علي المرصفي ، وسيدي محمد الشناوي ، فكانوا لا يتميزون عن العامة في لبس رضي اللّه عنهم أجمعين . وسمعت الشيخ أمين الدين رحمه اللّه يقول : سمعت سيدي أبا العباس الغمري يقول لسيدي محمد بن عنان : الظهور يقطع الظهور ، وربما استوفى من أظهر صلاحه في هذه الدار جزاء أعماله كلها من كثرة الاعتقاد فيه ، وقضاء حوائجه وإرسال الهدايا له ، ونحو ذلك فيذهب إلى الآخرة صفر اليدين من الأعمال الصالحة .