عبد الوهاب الشعراني
512
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
مرة في سفينة في البحر المحيط فهاجت الريح ، فقال اسكن يا بحر فإن عليك بحرا من العلم ، فطلعت له هائشة من البحر وقالت له : قد سمعنا قولك فما تقول فيما إذا مسخ زوج المرأة هل تعتد عدة الأحياء أم الأموات ؟ فما دري الشيخ ما يقول : فقالت له الهائشة تجعلني شيخة لك وأنا أعلمك الجواب ؟ فقال : نعم ، فقال : إن مسخ حيوانا اعتدت عدة الأحياء ، وإن مسخ جمادا اعتدت عدة الأموات ا ه . ذكر هذه الحكاية في ترجمة مشايخه من الجن والإنس والملائكة والحيوانات ، وبلغنا أنه من ذلك الوقت ما سمع أحد منه رائحة دعوى العلم . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يأخذ بيده ويدخله حضرات العلوم والخزائن الإلهية حتى يرى أن جميع ما علمه هؤلاء لا يجيء نقطة من البحر المحيط . وقد استخرج أخي الشيخ أفضل الدين من سورة الفاتحة مائتي ألف علم ونيفا وأربعين ألف علم وذكرنا منها في كتابنا المسمى « بتنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء » ثلاثة آلاف علم لا يتعقلها الإنسان إلا إن رأى أسماءها إذ لم تخطر له قط على بال . فانظر يا أخي فيما علمته من الفقه والنحو والأصول وغيرها تجده لا يجيء قطرة من البحر المحيط بالنسبة لعلوم أهل اللّه عز وجل . وقد نقل ابن السبكي في « الطبقات الوسطى » عن أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه أنه كان يقول : ما أنزل اللّه من السماء علما وجعل للخلق إليه سبيلا إلا وجعل لي فيه حظا ونصيبا ا ه . ثم من فوائد السلوك على يد شيخ أن السالك يصل إلى حضرة يرى جميع صفاته الظاهرة والباطنة عارية عنده وأمانة أودعها الحق عنده فلا يسوغ له أن يدعيها أو شيئا منها لنفسه أبدا حياء من اللّه تعالى ، فالناس يرونه عالما في عيونهم وهو يرى نفسه جاهلا ، وهناك يأمن من أن يدعي لنفسه حالا أو مقالا سرا أو جهرا ومن لم يسلك كما ذكرنا فمن لازمه الحجاب غالبا والدعاوى المضلة عن سواء السبيل حتى أن بعضهم قال أنا اللّه فكفر ، نسأل اللّه اللطف . فاسلك يا أخي طريق الأدب مع اللّه على يد شيخ ولو كنت من أعلم الناس عند نفسك فإنه لا بد أن يظهر لك جهلك إذا سلكت الطريق ، واللّه يتولى هداك . وفي قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام كفاية لكل عاقل ، وذلك أن الخضر قال لموسى عليه السلام أنا أعلم أهل الأرض ، يا موسى ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا كما نقر هذا العصفور من هذا البحر ، والمراد بعلم اللّه معلومه لقوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . فلو كان المراد به العلم القائم بالذات لم يصح وصفه بالقلة فافهم ، ومعلوم اللّه هو العلم الذي يبثه في قلوب عباده وهو غير علمه الأزلي الخاص به ، لأن علم الخلق وإن كان من جملة علم اللّه ففيه رائحة الحدوث من حيث إضافته إلى الخلق فافهم . وإياك والغلط وإنما أولنا لك يا أخي الحديث لأن الخضر عليه السلام عالم باللّه ، ومعلوم عنده أن علم اللّه تعالى لا يوصف بنقص ما ولا بد لمنقار