عبد الوهاب الشعراني
509
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
إنما قال بعض المحدثين أكذب الناس الصالحون لغلبة سلامة بواطنهم فيظنون بالناس الخير وأنهم لا يكذبون على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمرادهم بالصالحين المتعبدون الذين لا غوص لهم في علم البلاغة فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك حتى أن بعضهم كان يعرف صوت الشريف من غيره من وراء حجاب لكونه من رائحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ا ه . وقد من اللّه تعالى عليّ بتمييز كلام النبوة من غيره من حيث حلاوة التركيب العلمي بأنه لا أحد يقدر على فصاحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فربما سمع الصحابي شيئا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذهب عنه حفظ بعض اللفظ والمعنى موفور في قلبه فيكمل لنا الحديث بلفظه هو فأعرفه بركاكة تركيبه ، وربما ظن بعض المحدثين أن ذلك الحديث موضوع ، والحال أن الوضع إنما هو في مثل لفظة ونحوها وأصل الحديث صحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فتعلم يا أخي علم الحديث لتخرج من الوقوع في الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو بغير قصد ، واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار » قال الجلال السيوطي إنه متواتر . وروى الطبراني مرفوعا : « من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار » بإسقاط قوله : « متعمّدا » وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . [ النهي عن الاغترار بحفظ العلم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نغتر بحفظ العلم الذي يطلب منا العمل به من غير عمل كما عليه غالب الناس اليوم ، وما هكذا كان السلف الصالح رضي اللّه عنهم فقد بلغنا أنهم كانوا يستغفرون من كل مسألة لم يعملوا بها ويعدون ذلك ذنبا ، ومن كان هذا مشهده ذهب عنه الاغترار بالعلم . ثم اعلم يا أخي أن من الناس من قسم اللّه تعالى له العمل بما علم ، ومنهم من قسم اللّه له العلم من غير عمل ، ومنهم من قسم اللّه له العمل بغير علم ، ومنهم من لم يقسم له علم ولا عمل فالواجب على كل من لم يعمل بعلمه كثرة الاستغفار والتوبة والإكثار من تعليم العلم للناس لعلهم يعملون به فيكون ذلك في صحائف من علمهم حيث فاته العمل بما علم ثم يستغفر من ذلك فربما لا يكون عمل الناس بعلم العالم يجبر خلل تركه هو العمل بما علم . وكان الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه يقول : من حقق النظر لم يجد عاقلا إلا وهو عامل بعلمه لا يمكنه أن يترك العمل به أبدا ما دام عاقلا ، وذلك أنه إن عمل بعلمه على وفق الشريعة المطهرة بأن باشر العمل على وجه الإخلاص فيه فهو عامل بعلمه ، وإن وقع في معصية فاستغفر منها وتاب فقد عمل أيضا بعلمه ، فإنه لولا علمه ما اهتدى لكون ذلك معصية فما جعله يتوب منها إلا العلم فمثل هذا قد ينفعه علمه