عبد الوهاب الشعراني

496

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

هكذا كان يحمل العلم فبكى سفيان ثم انصرف . وكان الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه يقول : إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالعلم والصلاح في مجالس الأمراء والأكابر فاعلموا أنه مراء . وكان سفيان بن عيينة رضي اللّه عنه يقول : من علامة الرياء في طلب العلم أن يخطر في باله أنه خير من العوام لأجل العلم ، ومن فعل ذلك مات قلبه فإن العلم لا يحيي قلب صاحبه إلا إن أخلص فيه ، وذلك أنه إذا تكبر به صار وجهه للدنيا وظهره لحضرة اللّه عز وجل . واعلم أن رائحة الحضرة هي التي بها حياة القلوب فالإقبال عليها يحيي والإدبار عنها يميت ، كما مات قلب الكفار حين أعرضوا عن اللّه عز وجل . وكان يقول أيضا : إذا رأيتم طالب العلم كلما ازداد علما ازداد جدالا ورغبة في الدنيا فلا تعلموه . وكان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول : سيأتي على الناس زمان يتعلم جهالهم العلم ويتغايرون به على القرب من الأمراء كما يتغايرون على النساء ، أو كما يتغاير النساء على الرجال فذلك حظهم من علمهم . وكان صالح المري رضي اللّه عنه يقول : من علامة إخلاص طالب العلم أن ينشرح صدره كلما وصفه الناس بالجهل والرياء والسمعة ، كما أن من علامة ريائه انقباض قلبه من ذلك . وكان يقول : احذروا عالم الدنيا أن تجالسوه خوفا أن يفتنكم بزخرفة لسانه ومدحه للعلم وأهله من غير عمل به . وكان يقول : ربما كان علم العالم زاده إلى النار فلا ينبغي لأحد أن يفرح بعلمه إلا بعد مجاوزة الصراط ، وهناك يعلم حقيقة علمه هل هو حجة له أو عليه . وكان إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه يقول : يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . وكان يقول مررت بحجر مكتوب عليه قلبني تعتبر : فقلبته فإذا عليه مكتوب : أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لا تعلم ؟ وكان يقول اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا في ذلك فصار علمهم كالجبال وعملهم كالهباء . وكان ذو النون المصري رضي اللّه عنه يقول : أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علما ازداد في الدنيا زهدا وتقللا من أمتعتها ، ونراهم اليوم كلما ازداد أحدهم علما ازداد في الدنيا رغبة وتكثيرا لأمتعتها . وكان يقول : كيف يكون طالب العلم عاملا به وهو ينام وقت الغنائم ووقت فتح الخزائن ووقت نشر العلوم والمواهب في الأسحار لا يتهجد من الليل ساعة . وكان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه يقول : كيف تعلمون هؤلاء العلم وهم يأكلون من الحرام والشبهات واللّه إنهم كالأموات الذين يرتعون في النار ولو أنهم كانوا أحياء لوجدوا ألم النار في بطونهم من هذه الدار . وكان منصور بن المعتمر رضي اللّه عنه يقول لعلماء زمانه :