عبد الوهاب الشعراني
493
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
« من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها اللّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها » ا ه . فمن هنا قلنا إن من الأدب أن نستأذنه صلى اللّه عليه وسلم في كل ما لم تصرح به الشريعة بخلاف ما صرحت به الشريعة ، فلا يحتاج إلى استئذان بل قال بعضهم من احتاج إلى إذن فيها فإيمانه مدخول فليحدد إيمانه ، ويقول لا إله إلا اللّه ويلحق بما صرحت به الشريعة في عدم استحباب الاستئذان فيه ما أجمع عليه . وإيضاح ذلك أن الوقوف على حد ما ورد أكمل في الاقتداء به صلى اللّه عليه وسلم من اتباع البدعة ولو استحسن ، لأننا في حال الوقوف على حد الشريعة متبعون ، وفي حال تعدينا لحدودها الصريحة مبتدعون ، ولو بالاسم ، وأيضا فإن نظر الشارع أتم وأكمل من نظرنا ، ولو بلغنا الغاية في الفهم على أنه قد استقرىء أنه ما تعدى أحد الشريعة وعمل إلا ابتدع وأخل بجانب كبير من صريح السنة المحمدية . وإيضاح ذلك أن اللّه تعالى أنزل الشريعة على أعلى غاياتها ، فما ترك إلا ما علم تعالى أن خواص عباده لا يقدرون على المداومة عليه ، وجعل لكل مأمور شرعي وقتا ، فإذا زاد العبد على ذلك أخذ ذلك المزاد وقت غيره من باقي المأمورات ، ولم يبق له وقت يفعله فيه فمثل هذا زاد بدعة وترك سنة أو سننا بحسب ما ذهب في الابتداء ، وأيضا فإن اللّه تعالى ما ضمن المساعدة والمعونة إلا للعامل بما شرعه تعالى أو شرعه رسوله صلى اللّه عليه وسلم عن إذنه لا غيره وأما شرعه غيره فلم يضمن للعامل به المعونة ، كما أن من سافر إلى مكة بالزاد يحصل له المعونة من اللّه ذاهبا وراجعا لأنه سافر تحت الأمر ، بخلاف من يسافر بلا زاد لأنه لم يسافر تحت الأمر الإلهي ، فلذلك كان يقاسي من الشدائد ما لا يحصى . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لو صفت القلوب كما أمر اللّه تعالى لوجد أصحابها جميع ما استنبطه المجتهدون من القرآن كالمنطوق به على حد سواء ، فإن اللّه تعالى يقول : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . ولكن لما أظلمت القلوب وتكدرت من أكل الحرام والشبهات وارتكاب المعاصي والآثام خفي عليها منازع الأئمة وسموا كلامهم رأيا والحال أن كلامهم من صلب السنة ا ه . وكان الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه يقول : من أعطي الفهم في كتاب اللّه لا يحتاج قط إلى قياس ، فإذا جاء لمسألة ضرب الوالدين مثلا فلا يحتاج في القول بتحريمه إلى قياس الضرب على التأفيف ، وإنما يأخذ ذلك من مضمون قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] . ومعلوم أن الضرب ليس بإحسان ، فما احتجنا هنا إلى قياس وقس على ذلك ا ه .