عبد الوهاب الشعراني
487
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
إلى الموقف التّاسع ، فيسأل عن التّكبّر ، فإن لم يكن تكبّر على أحد جاز إلى الموقف العاشر ، فيسأل عن القنوط من رحمة اللّه ، فإن لم يكن قنط من رحمة اللّه جاز إلى الموقف الحادي عشر ، فيسأل عن الأمن من مكر اللّه ، فإن لم يكن أمن مكر اللّه جاز إلى الموقف الثّاني عشر ، فيسأل عن حقّ جاره ، فإن كان أدّى حقّ جاره أقيم بين يدي اللّه تعالى قريرة عينه فرحا قلبه مبيضّا وجهه كاسيا ضاحكا مستبشرا فيرحّب به ربّه ويبشّره برضاه عنه ، فيفرح عند ذلك فرحا لا يعلمه أحد إلّا اللّه ، وإن كان لم يأت واحدة منهنّ تامّة ومات غير تائب ، حبس عند كلّ موقف ألف عام حتّى يقضي اللّه فيه بما يشاء . ثمّ يؤمر بالخلائق إلى الصّراط ، فينتهون إلى الصّراط وقد ضربت عليه الجسور على جهنّم أدقّ من الشّعر وأحدّ من السّيف ، وقد غابت الجسور في جهنّم مقدار أربعين ألف عام ولهب جهنّم بجانبها يلتهب ، وعليها حسك ، وكلاليب وخطاطيف ، وهي تسعة جسور ، يحشر العباد كلّهم عليها ، وعلى كلّ جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف سنة ، ألف سنة صعودا ، وألف عام استواء ، وألف عام هبوطا ، وذلك قوله عزّ وجلّ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] يعني على أهل تلك الجسور وملائكة يرصدون الخلق فيها ، فيسأل العبد عن الإيمان الخالص باللّه تعالى ، فإن جاء به مخلصا لا شكّ فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثّاني ، فيسأل عن الصّلاة ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الجسر الثّالث فيسأل عن الزّكاة ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الجسر الرّابع فيسأل عن الصّيام ، فإن جاء به تامّا جاز إلى الجسر الخامس ، فيسأل عن حجّة الإسلام فإن جاء بها تامّة جاز إلى الجسر السّادس فيسأل عن الطّهر من الحدث ، فإن جاء به تامّا جاز إلى الجسر السّابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحدا جاز إلى الجنّة ، وإن كان قصّر في واحدة منهنّ حبس على كلّ جسر منها ألف سنة حتّى يقضي اللّه فيه بما يشاء » ا ه الحديث . ففتش يا أخي نفسك فإن كنت وقعت في شيء من هذه الذنوب التي ذكرت في المواقف المذكورة فقد سمعت ما تجازى به وإن لم تكن وقعت في شيء منها أو وقعت وقبل اللّه تعالى توبتك لم تقاس شيئا من تلك الأهوال حتى تدخل الجنة برحمة اللّه تعالى ، ولكن من أين لك أن تعرف أن اللّه تعالى قبل توبتك فو اللّه لقد خلقنا لأمر عظيم تذهل فيه عقول العقلاء ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : كل الخلق تحت المشيئة ويخاف عليهم دخول النار ما عدا الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام ، وقد درج الأكابر كلهم على قدم الخوف مع عملهم بالشريعة على الكمال ، فكيف يليق بغيرهم عدم الخوف ؟ ولكن إبليس للخلق بالمرصاد ، فربما طمع العصاة في جانب العفو والمغفرة حتى تراكمت عليهم الذنوب مع عدم التوبة حتى أتلف عليهم دينهم ، وكان ذلك من جملة مكر إبليس بهم . فالعاقل من عمل وخاف من اللّه عز وجل أن يدخله النار بذنوبه التي شملتها طاعاته