عبد الوهاب الشعراني
475
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
مالا أو وظيفة أو طعاما أو رياسة أو غير ذلك من سائر شهواتها سدا لباب ميل نفوسنا إلى أهويتها . ثم إذا فتح اللّه علينا فتوح العارفين إن شاء اللّه تعالى وقد فعل بنا ذلك وللّه الحمد فمن الأدب أن نمسك الدنيا بأسرها ولا نترك منها شيئا إلا عند العجز عنه ونقلب الشهوة المذمومة إلى الشهوة المحمودة من غير حجاب عن اللّه عز وجل ولا غفلة عن عبادته قال تعالى مادحا للكمل : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] . فأخبر أنهم مع قيامهم في الأسباب التي يحجب بها غيرهم لا يغفلون عن ذكر اللّه تعالى ، لأن الدنيا قد خرجت من قلوبهم وصارت في يدهم لا غير ، وما ذم اللّه تعالى حب الدنيا إلا إذا كان حبها بحكم الطبع ويبخل العبد بها عن المحتاجين ، وأما إذا وسع بها على المساكين وستر بها نفسه وكفها بها عن سؤال الناس فنعمت الدنيا حينئذ وبئس رميها ولذلك ما ذم اللّه تعالى ذات الدنيا وإنما ذم الميل إليها فقط ، إذ لو كانت مذمومة لذاتها لم نؤمر بمسكها في حال من الأحوال فافهم . ولا يخفى أن مراد كل من ذم الدنيا من الشارع صلى اللّه عليه وسلم أو غيره من صالحي المؤمنين الدنيا الزائدة على الحاجة ، أما ما يحتاج إليه فليس من الدنيا في شيء بل هو مطلوب إذ النكتة في ذم الدنيا إنما هو الاشتغال بها عن عبادة اللّه عز وجل لا غير ، فمن عصمه اللّه أو حفظه عن الوقوع فيما يلهي عنه تعالى فلا حرج عليه ولذلك طلب أيوب وسليمان الدنيا ، ومعلوم أنهما معصومان من طلب ما يشغلهما عن اللّه فافهم . وسمعت سيدي عليا المكزواني بمكة المشرفة يقول : فسق العارف بعد كماله يكون في تبسطه في الدنيا في مأكل وملبس ومنكح ومركب ا ه . وكان الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه يقول : إذا أحب اللّه تعالى عبدا زوى عنه الدنيا وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه وشغله بها عنه . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي اللّه عنه يقول : كل شيء شغلك عن اللّه لحظة واحدة فهو مشؤوم عليك في الدنيا والآخرة . وكان سيدي محمد بن عنان رحمه اللّه تعالى إذا أتاه أحد بشيء من الدنيا انقبض وظهر أثر ذلك عليه . وأتاه مرة شخص بأربعين دينارا في صرة بعد صلاة الصبح فرماها في وجه صاحبها وقال له أما تستحي من اللّه تعالى تصبحنا بالدنيا ووبخه وقال له لا تعد إلى مثل ذلك أبدا . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : ينبغي للشيخ المقتدى به أن يجعل عنده شيئا من النقد نحو المائة دينار زائدة عن حاجته ليدفع خاطر الاهتمام في الرزق فإنه يدق معه في المقامات ولا يزول ، فلكل شيخ له مشهد يدين اللّه تعالى به ، فرضي اللّه عن الصادقين . وبالجملة فلا يصح لك يا أخي عدم محبة الدنيا والمزاحمة عليها إلا بعد السلوك