عبد الوهاب الشعراني
469
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ عدم السفر إلا مع رجلين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسافر سفرا قصيرا فضلا عن الطويل إلا مع رجلين فأكثر . ومن فوائد ذلك ما إذا عرض لنا عارض من مرض أو وقوع من على دابة فواحد يجلس عندنا وواحد يبلغ الناس خبرنا أو يأتينا بما احتجنا إليه لذلك العارض من سكر أو مبلول أو جبيرة ونحو ذلك . ومن فوائد ذلك أيضا الأنس بالرفيق لأهل حضرة المراقبة للّه عز وجل ، فإن شهود العبد أن اللّه يراه له هيبة عظيمة فافهم ، وما نهانا الشارع صلى اللّه عليه وسلم عن فعل شيء قط إلا لحكمة بالغة ، وفي كلام القوم : خذ الرفيق قبل الطريق : واللّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وقد روى البخاري والترمذي وابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « لو أنّ النّاس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده » . وروى الإمام أحمد بسند صحيح : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن راكب الفلاة وحده » . قلت : ويؤيد ذلك حديث : « يد اللّه مع الجماعة » . أي تأييده . ومن حرم التأييد من اللّه فقد لعن أي أبعد عن أهل حضرته بإسدال الحجاب بينه وبين حضرة اللّه عز وجل ، وإلا فمن لا يتحرك إلا إن حركه اللّه عز وجل أين طرده فافهم ، واللّه تعالى أعلم . وروى مالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والحاكم وصححه مرفوعا : « الرّاكب شيطان والرّاكبان شيطانان والثّلاثة ركب » . والدليل على أن ما دون الثلاثة من المسافرين عصاة هذا الحديث ، ومعنى الشيطان هذا العاصي كقوله تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] . ومعناه عصاة الإنس والجن ، وبوب عليه ابن خزيمة باب النهي عن سفر الاثنين واللّه تعالى أعلم . [ عدم تمكين المرأة من السفر إلا مع محرم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نمكن امرأة من حلائلنا تسافر وحدها بغير محرم أو نسوة ثقات ، وكذلك لا نمكنها تخرج لزيارة في حارة قليلة الناس أو فيها من يخشى منه من الجند والعياق إلا مع محرم ، وهذا العهد يخل بالعمل به كثير من المغفلين ، فربما أمسكوا زوجته فزنوا بها وهتكوها فيصير زوجها في حيرة بين فراقها وبين الإقامة معها ، ومثل حلائلنا في ذلك أولادنا المرد فلا نمكنهم قط من الخروج لمواضع التنزهات وغيرها إلا مع من يوثق به لا سيما إن كان أحدهم جميل الصورة . وقد كان سيدي محمد بن عراق لا يمكن ولده سيدي عليا أن يخرج إلى السوق حين كان أمرد إلا ببرقع خوفا عليه من السوء وخوفا على الناس من الفتنة رضي اللّه عنهما ، وما رأيت في عصرنا هذا أكثر غيرة على عياله من سيدي الشيخ أبي الفضل بن أبي الوفا رضي اللّه عنه وعن جميع ساداته ، كان إذا طلب العيال الحمام ينزلهم بالليل في زورق من الروضة إلى مصر العتيقة ، ويقذف بهم وحده ثم يطلع بهم إلى الحمام فيدخله