عبد الوهاب الشعراني
446
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
أخي في هذا العهد واعمل به تجتن ثمرته ، واللّه يتولى هداك . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يستحضر جميع هذه الأمراض كلها كلما يقوم من النوم وكلما يريد النوم ويخبر أن ذلك كان من شأن سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه وكان يقول : ينبغي أن لا يكتفي أمثالنا بالشكر باللسان في هذا الزمان لكثرة معاصينا وعدم إخلاصنا ، وإنما ينبغي أن يكون شكرنا بالفعل كقيام الليل وحفر الآبار وصوم الهواجر وكف النفس عن جميع الشهوات ونحو ذلك وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى الترمذي وقال حديث حسن وابن ماجة والبزار والطبراني مرفوعا : « من رأى صاحب بلاء فقال الحمد للّه الّذي عافاني ممّا ابتلى هذا به وفضّلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء » . وفي رواية للطبراني « فإنّه إذا قال ذلك شكر تلك النّعمة » وإسناده حسن . قلت : فينبغي لمن دخل مارستان المرضى أن يقول ذلك سرا عند كل مريض ليعافيه اللّه من جميع تلك الأمراض ، واللّه تعالى أعلم . [ الصبر على مصائب الزمان : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصبر على مصائب الزمان ، وإن لم نصبر صبرنا على عدم الصبر فإنه ابتلاء أيضا لما فيه من إظهار المروق من تحت الأقدار . ويحتاج صاحب هذا المقام إلى عينين : عين ينظر بها إلى تقدير الضجر عليه فيصير تحت الأقدار . وعين ينظر بها إلى الأمر بالصبر فيتصبر ، هذه صورة الصبر على عدم الصبر فافهم . وكذلك نأمر بالصبر والتصبر جميع إخواننا إذا ابتلوا بشيء في أنفسهم أو أموالهم نخبرهم بما جاء من الأحاديث في فضل البلاء والمرض والحمى . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ ضرورة ليعلمه أدب المرض ويخبره بأنه ما مرض عضو من أعضاء البدن الظاهرة والباطنة إلا باستعماله في غير ما أمر به إلا أن يكون معصوما ، فمن عرف ما قلناه ووجعه عضو فليفتش نفسه ، فإنه لا بد أن يكون فعل به غير ما أمر فليعزم على التوبة النصوح فهي أقرب إلى شفاء ذلك العضو ، وقد أغفل هذا خلق كثير فلم يتنبهوا لما قلناه فدامت أمراضهم أو طال زمنها ، فكل عضو عليه زكاة ، فإن أخرجها صاحبه منه فقد أخرج ما فيه من الخبث والمرض ، وإن لم يخرجها فلا بد له قبل دخوله الجنة من التطهير إما بالعفو عنه من باب رحمة الامتنان ، وإما بالتوبة والاستغفار ، وإما بالعذاب في النار . وقد قال لي شخص من العميان مقصودي أحد يفلي لي جبتي من القمل ، فلم أصغ إليه لا بنفسي ولا بغيري فآخذني اللّه تعالى بذلك ، وأطلع في جفن عيني دملين فصارا ينضحان قيحا وصديدا مدة سبعة أشهر حتى أنهما أجمعت الحكماء على أنهما تلفا وذهب ضوؤهما وما بقي ينفع فيهما دواء ، فألهمني اللّه تعالى بتذكر ذلك الأعمى